عدن، هذه المدينة العريقة بتاريخها وتنوعها وتسامحها، لا تختزل في حزب، ولا تُصادر باسم مكون، ولا يمكن اختزال صوتها في شعارات سياسية ضيقة. فالغالبية العظمى من أبنائها اليوم هم مواطنون بسطاء، همهم الأول هو الأمن، والخدمات، والعيش الكريم، واستعادة دور مدينتهم كمركز مدني وإنساني واقتصادي، لا ساحة صراع أو منصة تجاذب.
إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في انعقاد الحوار بحد ذاته، فالحوار مبدأ نبيل ومطلوب، بل تكمن في طبيعة التمثيل، ومدى شموليته وعدالته. فحين يُستدعى ممثلو المكونات السياسية فقط، ويُغيب صوت المستقلين، والأكاديميين، والنقابيين، وممثلي المجتمع المدني، والكوادر المهنية، فإننا نعيد إنتاج أزمة التمثيل نفسها التي عانت منها البلاد لسنوات طويلة.
عدن ليست مدينة حزبية، بل مدينة دولة ومؤسسات. هي مدينة الثقافة والميناء الأشهر، والقانون، والتعليم، والتعدد، والعيش المشترك. وأي حوار جنوبي لا يضع هذه الحقيقة في صلبه، ولا يفتح المجال لتمثيل حقيقي لعدن المدنية، سيكون حوارًا ناقصًا مهما حسنت النوايا. فمعظم سكان عدن هم الذين كانوا صمام أمان عدن والجنوب، وهم الذين قدموا وضحوا وصبروا في جميع المنعطفات والتحديات دون أن يتلقوا جزاءً أو شكوراً، بل تلقوا الجحود والإنكار على الرغم من أن بصماتهم وعطاءاتهم شاهدة في جميع أنحاء الجنوب ولعقود طويلة.
إن أبناء عدن الذين لا ينتمون لأي مكون سياسي لا يطلبون امتيازًا، ولا يسعون إلى مكاسب، بل يطالبون بحق طبيعي وبديهي: أن يكون لهم صوت في تقرير مصير مدينتهم ومستقبلها.
صوت يعبر عن تطلعات الناس، لا عن حسابات القوى.
صوت يعكس معاناة المواطن، لا خطابات المنصات.
من هنا، فإن المسؤولية الأخلاقية والوطنية تفرض على القائمين على مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض أن يعيدوا النظر في آليات التمثيل، وأن يفسحوا المجال لعدن بكل أطيافها، لا لعدن المجزأة سياسيًا.
فعدن لا تحتاج من يتحدث باسمها فقط، بل من يصغي إليها.
ولا تحتاج من يرفع شعار تمثيلها، بل من يحمل همّها بصدق.
وختامًا، إذا كان الهدف من الحوار هو بناء مستقبل عادل ومستقر للجنوب، فإن البداية الصحيحة تكون بالاعتراف بأن عدن أكبر من أي مكون، وأعمق من أي خطاب، وأصدق من أن تُختزل في تمثيل لا يعكس حقيقتها.
