الحديث عن معاناتنا في عدن وعن إقصاء كوادرنا ليس تغريداً خارج السرب الجنوبي، بل هو صرخة من أجل تصحيح المسار ليكون الجنوب الذي نحلم به جميعاً وطناً يتسع لكل أبنائه بكرامة وعدل، فإذا كان المشروع الجنوبي يقوم على حق استعادة الدولة، فإن أولى ركائز هذه الدولة هي “العدالة”، وأولى اختباراتها هي عدن.
وبينما نشاهد وبكل تقدير واعتزاز، أن كافة المحافظات الجنوبية من المهرة إلى لحج، تُدار بأيدي أبنائها وكوادرها من أهل الاختصاص، على قاعدة “أهل مكة أدرى بشعابها”.. يبقى التساؤل المرير والمشروع يتردد في أزقة عدن: لماذا تُستثنى العاصمة؟ ولماذا يُراد لعدن أن تكون ساحة للمحاصصة والتجاذبات، بينما يُراد لغيرها أن يكون مستقراً لأبنائه؟
إن تمكين الكادر العدني في إدارة مؤسسات العاصمة الميناء، المصفاة، الاتصالات، وغيرها من الإدارات السيادية الأخرى، ليس خروجاً عن الوعاء الجنوبي، بل هو تثبيت لمداميك هذا الوعاء ، فعدن هي “الواجهة”، وإذا اختَلّت الواجهة، اهتزت صورة المشروع الجنوبي بأكمله.
فالكفاءات العدنية التي شُبّعت بثقافة النظام والقانون منذ عقود، هي الثروة الحقيقية التي يجب أن يستثمر فيها الجنوب، وتهميش هذا الكادر هو تهميش لروح “المدنية” التي نُفاخر بها أمام العالم، والعدني لا يطلب امتيازاً، بل يطلب حقه الطبيعي في بناء مدينته أسوة بإخوته في سائر محافظات الجنوب.
إن قوة عدن هي قوة للجنوب، فعندما تنهض مثلاً مصفاة عدن بكوادرها، ويستعيد ميناؤها عافيته بخبرات أبنائه، فإن المردود يعود على كل شبر في تراب الجنوب من المهرة إلى باب المندب، فلا يمكن بناء دولة جنوبية حديثة بينما قلبها النابض (عدن) يشعر بالغربة والتهميش.
إننا نؤكد أن عدن كانت ولا تزال هي الحاضنة لكل أبناء الجنوب، بل هي الصدر الحنون الذي استوعب الجميع، لكن هذا الاستيعاب لا يعني أبداً مصادرة حق أبناء المدينة في إدارة شؤونهم الفنية والإدارية والسيادية، و إن إنصاف كادر عدن هو البرهان الحقيقي على أن جنوبنا القادم هو وطن الشراكة لا وطن الإقصاء.
لذا ندعو القيادة السياسية الجنوبية إلى الالتفات لهذا الجرح الغائر؛ فتمكين كفاءات عدن هو انتصار للمَدَنِيّة، وإغلاق للأبواب أمام المتربصين بوحدة الصف الجنوبي، فـعدن القوية، المستقرة، والمُدارة بعقول أبنائها، هي الضمانة الأكبر لاستعادة دولة المؤسسات والنظام والقانون.
