غضون
* اتصل بي اثنان ظهر الاثنين الماضي، وقالا إنهما غاضبان مما كتبته يوم الاثنين، وقالا إني وصفت «الإعجاز القرآني» بأنه خاطئ.. وقد فهمت أن الرجلين لم يحسنا قراءة المقال أو نظرا إليه بعيون حولاء.. إذ لم أقل إن «الإعجاز القرآني» خاطئ.. فمن يقول بهذا؟ أنا قلت إن الذين يتحدثون عن إعجاز علمي في القرآن يتعلق بنظريات الفلك والفيزياء وعلوم الكيمياء والطب وسائر العلوم التجريبية ينطلقون من منهج خاطئ.. خاطئ من بدايته إذ يحاولون التمحل وتحميل بعض الآيات مدلولات لنظريات علمية بشرية ويسمون ذلك «الإعجاز العلمي في القرآن».. وقلت كيف يسمون ذلك معجزات بينما المعجزات هي براهين يمنحها الله لرسله ولا تتكرر ولا تمنح لغيرهم والأصل فيها إنها مستمرة إلى النهاية.. فعندما يقولون إن العالم الغربي الفلاني جاء بما جاء به القرآن، فهنا ليس في الأمر معجزة.. ولازلت مصراً على موقفي.. لا علاقة للقرآن بالكيمياء والفيزياء والفلك والبيلوجيا وغيرها من العلوم التجريبية التي تحصل بالعقل وليس بالوحي، لأنها من علوم الدنيا المتروك أمرها للبشر وليس من الدين الذي حصره الله في الوحي عبر الأنبياء.* القائلون بأن النظريات العلمية والاكتشافات التي توصل إليها علماء الغرب قد وردت في القرآن يعانون من كسل عقلي ويتباهون بما ليس لهم.. كل ما يقومون به أنهم يقرؤون عن نظرية علمية معينة ثم يذهبون لتقليب المصحف الشريف للبحث عن أية آية يحملونها تلك النظرية لدرجة أنهم قالوا إن القرآن قد سبق العلماء إلى اكتشاف «الذرة» مستدلين على ذلك بالآية «ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره».. وأتحدى أن يكون أي واحد من هؤلاء قد تكلم عن نظرية ما في القرآن قبل أن ينجز علماء الغرب فتوحاتهم العلمية.. وقد قلت إذا كان «الإعجاز العلمي في القرآن» عند هؤلاء يقوم على قراءة خبر عن نظرية علمية حديثة ثم البحث في المصحف الشريف عن آية يتم التعسف في تأويلها خلافاً للغةالعرب ولمقاصد القرآن لكي تحمل تلك النظرية، فهذا جهد سهل، ويمكن أن تجد «إعجازاً علمياً» يسبق علوم العصر في كلام أعرابية جاهلية هجرها زوجها لأنها تلد إناثاً بينما هو يريدها آلة تنجب الذكور، فقالت قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة معاتبة لزوجها: «ما لأبي الزلفاء لا يأتينا.. وهو في البيت الذي يلينا. يغضب إن لم نلد البنينا.. ,وإنما نعطي ألذي أعطينا»! فهي هنا تقول ليس ذنبي إني لا أنجب «بنينا» لأن ماء الرجل هو الذي يحدد جنس المولود.. ومعروف إن العلم الحديث يقول إن صبغيات الرجل هي التي تحدد جنس المولود وليس المرأة.* ثم يا جماعة الخير.. كلام الله في القرآن مطلق ونهائي غير قابل للنقض ولا للاستثناء.. بينما كلام البشر غير ذلك، والنظريات والاكتشافات العلمية غير مطلقة لأنها تتغير.. فالعلماء استقروا أولاً على نظريات فيزيائية وفلكية معينة واعتبروا ذلك حقائق، ثم مع استمرار البحث نقضوا هذه النظريات وجاؤوا بأخرى.. وقد تورط كثير من أصحاب وهم «الإعجاز العلمي في القرآن» في مجاراة العلوم التجريبية وظلوا يلهثون بالقرآن وراء علماء التجربة، وكلما تغيرت نظرية علمية غيروا الآيات القرآنية تفسيراً وتأويلاً، وأشجعهم قال: أخطأنا في الفهم.
