جمع بيننا المرُسل والمستقبل في جهاز الهاتف سنوات طويلة .. اختصر فيها الساعات التي مرت بلا عقارب تجس الوقت .تفصلنا جغرافية الجزيرة بمساحتها الشاسعة وتقربنا أواصر القربى والمودة والصداقة الإنسانية .. يطول حديثنا عن الحياة والناس وعن الفن والثقافة التي جمعتنا بلا ميعاد .نترجم حماسنا إلى مقالات ومظاهر من الفرح .. نتحاور على الورق ونقدم جهد المُقل .. رؤى فنية متطورة وثقافة واسعة لحصاد القراءة والمعرفة والسياحة مع خير جليس .. سرعان مانتناقل هذا الحماس أية هذا الزمان وتنشره للمزيد من المناقشة ومشاركة القراء والمثقفين والفنانين حصيلة الحوار .. لم نشاهد بعض وجهاً لوجه سوى عبر الصورة الملونة والانترنت وكنا سعداء بالقدر الذي جمعنا بلا ميعاد .. ونحلم بأن نلتقي لتكتمل الصورة والعلاقة الأخوية بيننا .وقد يستغرب من يقرأ حروفنا ويتفاعل معها عن مدى قوة هذه العلاقة وأسلوب تطورها ووصولها إلى هذا المستوى والواجب .وكنا نسخر من تعليقات البعض وحسد الآخرين الذين لايملكون إمكانياتنا ولايجيدون أسلوب إعادة التجربة الإنسانية والوصول إلى أهدافنا الجملية في الصداقة وبعد سنوات من التواصل الهاتفي والمشاعر الجياشة الهادفة تحقق الأمل .. والتقينا معاً للمرة الأولى في أواخر الشهر الفضيل (رمضان) فقد قررت أن أتشرف بالحضور إلى عدن الزهراء لتدشين وتوزيع كتابي الجديد الموسوم بـ “ من جدة إلى صيرة “ الذي ضمنته حماسي الكتابي لفن وثقافة أهلها وأهديته إليهم .. ليكون بمثابة هدية عيد وبطاقة تعريف واضحة المعالم وبحروف بارزة .
الفنان محمد مرشد ناجي
ووجدت نفسي في بساط العصر الطائر الذي أحال بساط علاء الدين إلى التقاعد (السعودية) على ارتفاع أكثر من 30 ألف قدم فوق هام السحب .. وفي مطار عدن الدولي تناولت وجبة إفطار خفيفة على المعدة .. وعلى ضفاف شاطئ بحر صيرة التاريخي في فندق سياحي حديث يعكس تطور ونمو هذه المدينة الحالمة .. ارتحت من عناء السفر وتواصلت مع أصدقاء العمر والمراسلة شخصياً ومن خلال السيار .. والتقينا بفرح طفولي وتبادلنا القبلات العربية .. كان أول الداخلين إلى قلبي وروحي وترجم ترحيبه كالعادة على الورق بحروف مضيئة بالصداقة .. وتعبر عن شفافيته وروحه الفنية الراقية الفنان المتعدد المواهب المثقف عصام خليدي مرتدياً ببساطته التي لمستها عبر تواصلنا الاتصالي (فوطة) شعبية وقميص (شميز) جميل يؤكد أصالته وانتماءه لهذه الأرض الطيبة .. وكانت المفاجأة للطرفين الأعمار المتقاربة بيننا والقلوب الخضراء فلا زالت قلوبنا تنبض بروح الشباب .. والأربعين على خدينا تتبسم .. كما قال الشاعر المصري صالح جودت في رائعته .. واتهمنا الصور رغم الألوان واللوك .. بالسبب وقررنا تغييرها في الصحف (وقوقل) حتى لانظلم أنفسنا والمعجبين .. ونظفر بالجنس العطوف إعجابا (وضحكنا معاً) وتوالى القادمون والمرحبون الأستاذ صالح الوحيشي من تلفزيون (يمانية) والإذاعة العدنية الرائدة بنشاطه الشبابي الستيني والأستاذ محمد الباهميصي المهتم بالأدب والفن وصاحب منتدى (المنصورة) وصهر الشاعر الراحل المقيم احمد بومهدي .والصحفي الشاب الابن جهاد جميل الذي ورث من أبيه المتاعب وبدأ رأسه أكثر صلعاً منه ! .
نجيب مقبل
وفي بيت فنان الشعب الكبير مقاماً وعمراً (محمد مرشد ناجي) تناولت في اليوم الثاني للزيارة طعام الإفطار والعشاء الشهي معه وأبنائه الأعزاء كعادة البيوت العدنية الأصيلة في رمضان .. استعداداً لسهرة (الأخضر جهيش) والأسرة .وعشاء آخر في نفس اليوم أحال تعليمات الأطباء والرجيم إلى المعاش .. في منزل المخرج الرائد الصديق محمود سلامي الذي جعلني بعد ان سعدت بلقائه ومشاهدته لأول مرة أيضا .. بعد أن سعدنا بطولنا المشترك في وجود بعض الأصدقاء الأقل طولاً ووزناً .. استغربت إحالته على المعاش مبكراً رغم أن عمره لايشير لذلك .. لكنه الحسد وإصرار بعض الصغار على إبعاد المبدعين من العمل والمنافسة الشريفة .وصدق وعده مشكوراً بعزيمة زربيان معتبرة لم استطع مقاومتها مع الحاضرين جمعت بين (الصيد) واللحمة والعطرية (كحلي) .وفي منزل الصديق الابن الفنان الخلوق نجوان شريف ناجي العامر نجل القاضي الرائع الفنان خير من وصف الحسينى وورده وفله .. ورحل مبكراً عن الحياة ولازالت أعماله خالدة في وجدان الناس.. كانت جلستنا الأخوية الصادقة .. ساعدنا (الاخضر جهيش) على الحوار واللقاء الإنساني إلى السحور .ورغم انه لم يغن والفنان عصام خليدي ولم يخرج الجلسة السلامي (محمود) كرسومات الهواء الرمضانية الشهيرة .. فقد سعدنا بالاستمتاع إلى أغاني رائعة فيها كل الصدق وعذوبة الصوت والموهبة من خلال التسجيل الحي وطربنا لأغنيته (صادت فؤادي) الصنعانية التراثية للقاضي العلامة شرف الدين بكلماتها الخالدة واللحن والأداء الرائع بصوت (خليدي) الأغنية اليمنية والعدنية .. آخر الفنانين الذين لازالوا مخلصين للفن الأصيل وأهله .. ولأغنية (صرخة) من كلماته وألحانه أيضا التي قدمها لأول مرة عقب اغتيال الشهيد محمد الدرة واستخدم فيه كل المقامات الموسيقية وانتقل بحرفنة من طبقة إلى أخرى ومع الليل وآخره .. قدم لنا (صباح الخير ياوطني) للشاعر احمد الجابري نزيل (الراهدة) وكدنا نقف احتراماً لأسلوب الأداء واللحن وكأننا في عرض عسكري.
عصام خليدي
أما رائعة الشاعر عبدالرحمن عبدالجبار والحان (المحسيني) محمد بصوت الراحل المقيم محمد صالح عزاني (مستحيل أنساك والله مستحيل) فقد أحالها عصام خليدي بصوته وأسلوب تقديمه لها إلى حقيقة واقعة .وتواصلت الاتصالات بيني والأصدقاء زملاء الحرف الذين لم اسعد بلقائهم وتواعدنا على اللقاء.. وزارني من البعيد الفنان الرائد المنلوجست التربوي عثمان عبد ربه صاحب المنلوجات الشهيرة عن الزواج والقات وغلاء المهور بقالب شعبي من (شقرة) حيث يفضل ان يكون بين الأهل والتقاعد .وزارني في منتصف الليل وانضم لسهرتنا الصباحية والمناسبة الصحفي الأديب الخلوق الأستاذ نجيب مقبل مدير تحرير جريدة 14 أكتوبر الرائدة والصحفي الفني عبدالله الضراسي .. الذي ترجم بعض حوارنا على الورق بعد أن طغت عليه روح الصحافة والمهنة .. ووجدت نفسي بعد (قرحة) القات اسطر هذه المشاعر والكلمات بعد أن جفاني النوم كالعادة في أول مرة أتناول فيها العشب الأخضر بعد سنوات .. لأنقل لكم (مباشرة) أحداث أيامي الأولى في عدن التي أحبها وأهلها .. وأقدم لكم مشاعري بلا رتوش .. واستودعكم (الآن) فيبدو أن سلطان النوم يطلب مني أن أجرب الاسترخاء بعد تناول كأس (الحليب) البارد حسب وصف المجربين في استقبال الفندق .واستعد للإمساك وصلاة الفجر والدعاء بأن يتقبل الله صيامنا ويرحمنا ويغفر لنا في الأواخر المفترجة واستعداداً لثالث جمعة في الشهر الفضيل وأول جمعة سأصليها في عدن .. وربما وجدت فرصتي في الخطابة بامتياز القدوم من بوابة الحرمين الشريفين من أرض الله من (جدة) وجينات جدتي المطوفة وللحديث والخواطر بقية .. والسلام ختام .