صباح الخير
يا للهول !! .. ما هذا الذي يجري في بلاد الرافدين .. بلاد العراق الجريح؟ .. هل يصنع حقا الاختلاف المذهبي والطائفي بالامة التي ينخرط نسيجها منه هذا الجحيم الرهيب؟.. وهل اضحى من المحال ان تتعايش الطوائف والمذاهب والاديان واقعا وحقيقة؟!.. ومن هو الذي يقف وراء انتاج هذا الدمار الشامل الذي اتى على العراقيين من فوقهم ومن تحت ارجلهم .. وزاغت ابصارهم .. وبلغت منه القلوب حناجرهم .. وظنوا بالله الظنونا .. وابتلي به العراقيون وزلزلوا زلزالا شديدا(؟!).ان الذي يقرأ تاريخ هذا البلد .. ويدرس الفقه الحديث ويقف على تاريخ حضارته العريقة .. يدرك بلاشك او تردد حجم المعجزة التي صاغتها ارادة ابنائه من خلال تعايش طوائفه ومذاهبه .. وكذا اعتزاز اهله بشرف الانتماء لعراق عظيم كان على امتداد تاريخ العرب مهدا لحضارتهم العريقه!.وكم يتملك الاعجاب النفس حين تقرأ أوتسمع عن ابي حنيفة في الكوفة .. واحمد بن حنبل في بغداد .. وغيرهما من طابور طويل من اهل الحديث، حتى لكأنك تقول : لم يكن في العراق شيعة قط؟!.. كما تقرأ عن أئمة اهل البيت بدءا بعلي رضي الله عنه واولاده الائمة عند الشيعة, وتسمع عن كربلاء والنجف حتى لكأنك تقول : لم يكن في العراق سنة قط(!).كما تقرأ عن العرب وتاريخهم في العراق حتى تسأل : آين الاكراد؟ وماذا يصنعون؟ّ!.. وتسمع او تقرأ عن تاريخ الاكراد ولغتهم وثقافتهم حتى انك لتقول : لم يكن هناك عرب اذن(!).وحينها تتجلى الحقيقة الضائعة بوضوح .. وتقرر ان السنة والشيعة على مدار التاريخ في العراق لم يصل الخلاف بينهما الى حد الغاء حق المواطنة والعيش للرأي الآخر .. وهذا التضامن (الوطني) ان جاز التعبير, تراه مطردا في كل ادوار التاريخ بين السنة والشيعة على سبيل المثال في هذا البلد.فعند انحلال الدولة العثمانية (السنية) بعد الحرب الاولى, وما اعقبه من تفتيت العالم الاسلامي الى دويلات ضعيفة رفض شيعة العراق التحالف على العثمانيين ودافعو عن الدولة (السنية) رغم ان وضعهم فيها كان ليه تحفظات كثيرة بسبب سوء ادارة الفقه السني وبسبب التوجه الطائفي للعثمانيين.ووقف الشيعة والسنة معا ضد الاحتلال الانجليزي فيما عرف بثورة 1920م وكان ابرز قادتهم حينها الشيرازي والخالصي وغيرهما .. وساند الشيعة كذلك ثورة رشيد الكيلاني الثانية ضد الانجليز عام 1941م بعد هروب الوصي على العرش ومعه نوري السعيد!! وكان الشيعة والسنة يدا واحدة في اكثر المواقف بغض النظر عن كون من يمثل تلك المواقف من السنة اوالشيعة طالما وانها من اجل العراق(!).وعندما صدرالحكم القضائي المصري بحق ابرز رجال الاخوان المسلمين في مصر (سيد قطب), وهو سني الانتماء رفض السيد محسن الحكيم يومها هذا الحكم وابرق للرئيس عبدالناصر عبارة مؤثرة قال فيها: "ان سيد قطب عالم .. والعلماء لايقتلون وانما يحترمون"!.وعندما اعدم الطاغية صدام الشيخ السني عبدالعزيز البدري حزن عليه شيعة العراق وشيعة لبنان .. واقيم له في لبنان العزاء لتعذر صنيعه في العراق ابان حكم صدام .. وحزنت السنة كذلك جدا على اعدام المرجعية الشيعية محمد باقر الصدر.وهكذا يتكرر مشهد التلاقي والتضامن بين الفئتين دون ان تنهض بواعث النبذ الطائفي والمذهبي بينهما حتى سقوط طاغية بغداد في 29/مارس/2003م ولم تعرف العراق من يومها امنا ولااستقرارا ولا حقا في العيش الآمن الكريم!!.هل هذا هو البديل الواقعي عندما يغادر الطغاة والاشرار مواقعهم؟ ام هو ثمن الحرية الذي يجب ان يستوفي قيمته من دماء وحياة ضحايا الاستبداد والقهر؟.لابد ان يكون ثمن الحرية اذن الذي لنم يدفعه العراقيون بعد على مدى احقاب طويلة قادمة باذن الله!!.ان هذا الاجرام المروع في حق السنة والشيعة في العراق وهذ القتل المفخخ المجنون بين زحام الابرياء الذين هم في المحصلة آباء واخوان وابناء وأزواج لن يكتب له الاستمرار لانه لو كان شيء كتب له الاستمرار فانما هو الحياة وليس القتل والفناء حتى يكون هذ الانهاء الشامل هو امر الله تعالى يوم يقوم الناس لرب العالمين(!).ان الهجوم على مساجد السنة كذلك امر يعجز العقل المثقف عن تفسيره وعن شرح عامل انتهاجه من الشيعة ولاتفسير له غير رغبة جامحة في توسيع شهوة الانتقام وتوظيف الخلاف الطائفي لتدمير ارض الحضارات .. ونسي هؤلاء ان هولاكو قبلهم كانت رغبته في ذلك اشد من رغبتهم فما تحقق له من مرامه غير لعنة التاريخ وقوة عزيمة الاجيال من بعده(!) وخرج العراق ابيا ورائدا وعظيما وكأن شيئا لم يصبه وهذا هو سر الارادة العربية .. وسر حيوية الاسلام(!).ثمة حقيقة اخرى مهمة لاينبغي - في رأيي - ان يغفلها البحث, وهي ان الصراع الطائفي والمذهبي تلعب الفتاوى والمرجعيات والمناهج دورا لايستهان به من خلالها في تحويل حديقة الحياة الى غابة وحوش .. واعتقد ان تغذية الاجيال بان المذهب الآخر لايستحق البقاء لانه كافر , او لانه ظلم اهل البيت , او لانه لم يتق الله حق تقاته, هي المسؤولة عن انتاج جماعات متشددة تفرز ايمانا بوجوب تدمير المخالف .. وهذه الجماعات قداصبحت واقعاً له فكره وثقافته واساتذته ومريدوه وكلبها باسط ذراعيه بالوصيد.
