نبض القلم
إن الحرية من أهم الحقوق المقررة للإنسان، غير أن الإنسان يعيش في مجتمع لكل فرد من أفراده هذا الحق، فلو انطلق كل فرد في المجتمع حراً يفعل ما يشاء، لتعارضت حريات الناس واختل نظام المجتمع، فلابد إذن من ضوابط اجتماعية، أو حدود تقف عندها حرية الفرد، حتى لا تكون حريته عدواناً على حق غيره.وفي بعض الحالات ربما يسرف الإنسان على نفسه في ممارسة حريته، بما يعود على نفسه بالضرر أو الهلاك، ومن هنا كان على المجتمع أن يضع قيوداً على حرية أفراده، وهذه القيود هي بمثابة ضوابط اجتماعية أتت لتنظيم حياة الناس أفراداً وجماعات، وضمانات تحول دون تعرض الناس لما يفسد عليهم حياتهم، أو لما يعرضهم لكثير من الشرور والأخطاء.ولهذا كان على المجتمع أن يتعاون على رعاية هذه الضوابط الاجتماعية، فلا يسمحون لأي فرد كائن من كان أن يتعداها في نفسه أو في محيطه.وإذا نظرنا إلى موقف الفرد إزاء تصرفاته الخاصة، والتي تعتبر من أخص شؤون حياته، ومدى حقه في ممارسة حريته الشخصية نجده ليس حراً في أن يمارس حياته على النحو الذي يريد، حتى في مأكله ومشربه ونفقته، لأن ذلك مقيد بمصلحة الفرد ذاته أولاً، ثم بمصلحة المجتمع باعتباره فرداً من أفراده، ولبنة في بنائه.وقد يظن الإنسان أنه حر في تصرفاته، يتصرف كما يشاء، ليس لأحد أن يمنعه أو يحد من حريته، أو يمنعه من التصرف حسبما يريد، وهذا ظن خاطئ للحرية، لا يقره المجتمع ولا الدين.فالإنسان الذي لا يحسن التصرف في سلوكه، كأن يعتدي على أموال الناس وأعراضهم، أو يقطع الطرقات، ويثير الرعب والقلق في أوساط الناس، أو يفرض عليهم قناعاته الشخصية ليفعلوا ما يريد، فإن هذا الشخص لابد أن يفقد حريته لما فيها من ضرر.ولقد صور الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الضبط الاجتماعي بجماعة من الناس استهموا في سفينة، فكان بعضهم في أعلاها وبعضهم في أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء يمرون على من فوقهم، فقال الذين في أعلاها لا ندعكم تصعدون حتى لا تؤذونا، فقال الذين في أسفلها: لو أننا خرقنا في نصيبنا من السفينة خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا. فلو تركوهم وما أرادوا لهلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم أي منعوهم نجوا جميعاً، وهو ما يؤكد مبدأ المسؤولية الاجتماعية، وما يعزز القيم الدينية في تحديدها علاقة الفرد بالمجتمع.وكثيراً ما يخرج الأفراد في تصرفاتهم الشخصية عن حدود ما هو مسموح به من الحرية، في علاقاتهم المباشرة بالمجتمع، وعندئذ فإن المجتمع يتدخل ليضع قيوداً للحرية الشخصية لحماية حقوق الآخرين، ورعاية المصلحة العامة. فالتاجر الذي يحتكر سلعة من السلع، يحفظها حتى تشتد الحاجة إليها لدى الناس، ثم يبيعها بالسعر الذي يفرضه، فمثل هذا الرجل يحتاج إلى ضابط اجتماعي يضبطه أو رادع ديني يردعه، وهنا لابد من تدخل الحكومة بقوانينها وأجهزتها، باعتبارها ضابطاً اجتماعياً يحول دون تمادي التاجر، حتى لا تؤدي حريته إلى الإضرار بمصالح الناس الآخرين. وفي المجتمع الإسلامي يبرز دور الدين في هذه الحالة كضابط اجتماعي له أهميته في كبح جماح التاجر وغيره، فالرسول محمد صلى الله عليه وسلم يقول: “من احتكر طعاماً أربعين يوماً برئ من الله، وبرئ الله منه”. كما يبرز الضمير الأخلاقي في الإنسان كضابط اجتماعي قوي له تأثيره في توجيه سلوك الإنسان وتصرفاته، فهو الذي يصرفه عن القيام بالأعمال المنكرة، ويدفعه للقيام بأعمال البر والإحسان. فسلطان الضمير ضابط اجتماعي قوي، لأنه سلطان الله الذي أودعه سريرة الإنسان ليميز به بين الخير والشر، فالضمير قوة نورانية أودعها الله تعالى في أعماق الجسد الإنساني المعتم الضال، لتحيل ظلامه نوراً، وتبدل ضلاله هدى. فإذا ارتكب الإنسان رذيلة، أو مارس ظلماً، فإن ناراً تشتعل بداخله تأكل فؤاده حتى تقضي عليه، وهو ما نسميه تأنيب الضمير.وتأنيب الضمير ضابط اجتماعي قوي يحول دون قيام الإنسان بالرذائل، فهو يجلس في الليل إلى جانب سرير المذنب، ويجعل حياته سلسلة اضطرابات مقلقة، فإذا نام داهمته الكوابيس المفزعة وإذا استيقظ يتولى تعذيبه بقسوة بلا انقطاع، ويظل يلاحقه حيثما يذهب.
