نبض القلم
إن الدين ظاهرة سماوية، ودعوة إلهية جاءت لإصلاح مسيرة البشر في معرفة الإله الحق، والارتباط به، كما أنه في الوقت نفسه ظاهرة وجدت في تركيب اجتماعي تؤثر في المجتمع وفي أفراده، فهو يشكل الثقافة السائدة أو يعدلها ، ويمتزج بها فتصبح ملونة بقيمه وأفكاره واتجاهاته، والمجتمع الإسلامي خير شاهد على ذلك، فالدين الإسلامي هو العنصر المؤثر والفعال في ثقافة المجتمع الإسلامي، ويشكل معظم عناصره ومقوماته، سواء كان ذلك للفرد أم المجتمع. فالدين الإسلامي يقدم للمجتمع وحدة فكرية بين أفراده، أساسها وحدة العقيدة، وهي التي تحمي المجتمع من التفكك الطائفي أو المذهبي، أو الانهيار بسبب التعصب الناشئ عن اختلاف المعتقد. كما أن الدين يضع الأسس اللازمة للتعاطف والمودة والمحبة بين الناس، ويحدد العلاقة بين الغني والفقير، وبين الحاكم والمحكوم، ويحدد المسؤولية الفردية والاجتماعية، وماهو حق وماهو واجب. كما أن الدين يضع التشريعات والقوانين والتنظيمات التي تنظم حياة الناس في النواحي الفردية والأسرية والاقتصادية والعلاقات العامة، فهو الذي يضع حدوداً لعلاقات الآباء بالأبناء، وعلاقة الكبير بالصغير، والجار تجاه جاره، والزوج بزوجته، حتى تستقر الحياة. والدين يتعامل مع القيم الفاضلة والأخلاق العالية، فهو يحرص على كل ماهو خير، وينبذ كل ما هو شر، ليتجه بالمجتمع نحو الكمال الأخلاقي، ووحدة الدين تتخطى بالمرء حدود مجتمعه، فيتكون لديه اتجاه نحو المجتمع العالمي، فيتعاطف مع بني البشر، فهو لا يؤمن بعنصرية ولا طائفية، ولا يعترف بجنس أو لون فأهدافه عالمية، وتوجهاته إنسانية، ترمي إلى توحيد البشر وتقاربهم، فلا قيمة للحسب ولا للنسب ولا للثراء أو الغنى أو الجاه أو المركز، فالكل أمام الله سواء، فالعصبية والتعالي أمران يرفضهما الدين. والدين يعطي العقل الإنساني حرية الحركة العقلية في الكون والوجود، ويدعوه إلى الكشف عن أسرار الكون، ومعرفة مكوناته، ويحثه على الإنتاج والإبداع والابتكار.والدين يزود الفرد بالضمير الذاتي، فيكون لديه إحساس داخلي بالحق والواجب، وماهو حلال وماهو حرام، وما يجوز فعله وما لايجوز ، وهذا الإحساس الداخلي يجعل شعور الفرد متوازناً منسجماً مع ما يحفظ نظام المجتمع، فهو لايسرق لأن وازعه الديني يمنعه من ذلك، وهو لا يقتل لاعتقاده بحرمة إزهاق النفس البشرية، وهو يبتعد عن الشر لخوفه من الله، ويفعل الخير لابتغاء الجزاء من الله، ولذا فإن الدين في أرقى صوره وسيلة لضمان الراحة النفسية والجسمية وإشاعة الطمأنينة بين الناس.وعليه فإن عدم فهم الوظيفة الاجتماعية للدين يجعل الفرد منغلقاً على ذاته، يؤدي المناسك برتابة، ولا يشعر بالراحة النفسية، خاصة إذا أحاطت به المتاعب، ونزلت به المصائب، وكثرت عليه المشكلات والهموم، أما إذا فهم وظيفة الدين الاجتماعية فإنه يزداد ثقة بنفسه، وإيماناً بقدرته، وذلك يعطيه شعوراً بالأهمية الاجتماعية، فيوجد عنده اتجاهات إيجابية نحو عمل الخير، والابتعاد عن الشر، ويعمل على إيجاد التلاؤم بين قيم الفرد وقيم المجتمع، وبدون ذلك يتولد الصراع بين ما يريده الفرد وما يريده المجتمع، وهو ما يؤدي بالفرد إلى التطرف والغلو. وليس بخاف أن كل حركة يقوم بها الإنسان لصالح الآخرين إذا فعلها لوجه الله فهي عبادة، فيستطيع المرء أن يخرج من بيته في الصباح ثم يعود إليه في المساء، وقد حصل على حسنات كثيرة من جراء معاملاته مع الناس وعلاقاته الاجتماعية، فإلقاء السلام عبادة، وعيادة المريض عبادة، وزيارة الأخ في الله عبادة، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، ومصافحة أخيك صدقة، ومسحك لرأس اليتيم عبادة، وصلة الرحم عبادة، وبر الوالدين عبادة، وإغاثة الملهوف عبادة، وقضاء حوائج الناس عبادة، ومساعدة المحتاج عبادة، ولو حملت شيئاً مع أخيك لتخفف عنه الثقل عبادة. وإنه في الوقت الذي يكسب المرء حسنات كثيرة من جراء علاقاته الاجتماعية الحسنة، يخسر أيضاً كثيراً منها من جراء سوء علاقاته الاجتماعية، ويأتي يوم القيامة مفلساً من الحسنات .. وفي الحديث الشريف، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أتدرون من المفلس ؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا ، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار ). ( رواه مسلم )
