بيني و بينك
الحقيقة .. بل وبكل صراحة أقول بأن القانون والنظام الإداري والمالي الذي كان معمولاً به قبل الاستقلال في عدن كان نظاماً نموذجياً .. وهو طبعاً نظام بريطاني ما زال سارياً في كل من الأردن والسودان حتى اليوم.وقد عاصرت العمل بهذا القانون في الخدمة المدنية ووزارة المالية قبل الاستقلال عندما كنت أعمل مدرساً في عدن في عام 1962م وحتى عام 1967م .. وكان قانوناً عادلاً ملتزماً بتطبيق مبدأ (وضع الرجل المناسب في المكان المناسب) .. وكذا مبدأ (الثواب والعقاب) .. وللتأكيد على ذلك القانون المنصف للجميع .. أطرح هنا أمثلة لمستها شخصياً على أرض الواقع .. ومنها أني وكافة زملائي المدرسين في مختلف مدارس المدن في عدن لم نذهب أبداً طوال تلك السنوات إلى وزارة المعارف لتقديم أي طلبات لنا أو متابعة معاملاتنا .. فقد كانت إدارة المدرسة هي همزة الوصل بين المدرس والوزارة .. فالمرتبات في نهاية كل شهر تصل بانتظام إلى مدير المدرسة الذي يقوم بتوزيعها داخل ظروف على المدرسين .. وبالنسبة للترقيات والعلاوات السنوية حسب التقارير المرفوعة من مدير المدرسة فتصلنا منتظمة أيضاً من دون مماطلة أو عرقلة أو تأخير .. وكذا بالنسبة للعقوبات أو الانتقال من مدرسة إلى أخرى أو غيرها تصل بمذكرات رسمية عبر مدير المدرسة .. ويقوم بإيصالها إلى المدرسة مندوب خاص من الوزارة ينتقل من الوزارة إلى المدرسة بدراجة هوائية (سيكل بيدل) أو بسيارة أجرة وتدفع له الوزارة قيمة المواصلات.وإذا رغب المدرس في الحصول على قرض مالي من الوزارة لشراء سيارة أو بناء منزل له يتقدم بطلب إلى الوزارة عبر مدير المدرسة الذي بدوره يرسل الطلب فوراً بواسطة المندوب إلى الوزارة .. وبعد أيام قلائل يحضر المندوب مذكرة الموافقة على القرض مع الشيك وتوضيح بالمبلغ المحدد لخصم الأقساط شهرياً فيستلم المدرس الشيك .. ويستأذن من المدير بالذهاب إلى البنك .. على أن يضمن قيام أحد الزملاء بالتدريس بدلاً عنه.هكذا كانت تسير الأمور .. نظام بما تحمله الكلمة من أسمى المعاني .. والوقت عند الجميع من ذهب .. وإخلاص وتفان في العمل .. وعدالة وإنصاف .. والجميع أمام القانون سواسية .. لا مجال للوساطات والمحسوبية .. وكل المعاملات المالية والإدارية (تسير أوتوماتيكية).وبعد الاستقلال واصلت حكومة الجبهة القومية وحكومة الحزب الاشتراكي العمل بهذا القانون المالي والإداري مع بعض التحايل عليه .. حيث كان مثلاً يتم تعيين أشخاص غير مؤهلين في مناصب قيادية في الوزارات والمؤسسات ويستلمون مرتبات قياديين وهم لا يستحقونها .. وغيرها من أساليب التحايل على القانون الذي ظل معمولاً به.وأثناء مباحثات الوحدة اليمنية بين قيادات الشطرين علمنا بأنه تم الاتفاق بينهم على أن يتم الأخذ والعمل بأفضل القوانين الموجودة في الشطرين .. وكان المفروض الأخذ بالقانون المالي والإداري في جنوب الوطن بحكم أنه أفضل من القانون في شمال الوطن .. لكن لا ندري لماذا لم يتم ذلك !! والحقيقة أنه لو تم العمل بذلك القانون فلن تعاني البلاد من قانون الخدمة المدنية والنظام المالي المعمول به حالياً والذي يشكو منه موظفو الدولة يومياً.لذا نأمل إعادة النظر في النظام المالي والإداري الحالي .. والاستفادة من النظام المالي والإداري السابق في عدن .. ومن خبرات رواد النظام المالي والإداري السابقين الذين ما زالوا على قيد الحياة.
