صباح الخير
* برزت اهتمامات متزايدة بدعم وتأكيد المشاركة السياسية للمرأة اليمنية منذ قيام الوحدة اليمنية وميلاد الجمهورية اليمنية في الثاني والعشرين من مايو عام 1990م، واقترانها بالتعدد الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات العامة والاحتكام إلى نتائج صندوق الاقتراع المعبر عن الإرادة الشعبية لأغلبية الناخبين.وقد منح الدستور اليمني حق الانتخاب والترشح لكل مواطن ومواطنة يمنية لخوض أي انتخابات عامة سواء أكانت نيابية أو رئاسية أو محلية ما دامت تتوافر لديهما الشروط والمواصفات المطلوبة حسب ما هو منصوص عليه في أحكام الدستور، وذلك لخوض التنافس الانتخابي للاستحقاق الديمقراطي.* ولعل من اهتمامات الدولة المتزايدة بدعم حقوق المرأة السياسية في بلادنا أن تمثل في وصولها إلى مناصب قيادية في الدولة اليمنية، سواء كان ذلك على مستوى وزيرة أو وكيلة أو سفيرة أو نائبة في المجلس المحلي أو في المجلس النيابي. ويأتي هذا الاهتمام المتصاعد من قبل قيادة بلادنا والمؤتمر الشعبي العام بدعم المشاركة السياسية للمرأة اليمنية في إطار التوجه العام الضاغط نحو التأكيد على حقوق الإنسان ومكافحة شتى أشكال التمييز ضد المرأة.* ورغم التقبل المجتمعي لهذا التوجه والترحيب به، إلا أن هناك بالمقابل من يعارض حق المشاركة السياسية للمرأة اليمنية لاعتبارات دينية واجتماعية، ولهذا نجد أن مثل هذه الجماعات غير متحمسة ولا مؤيدة لمشاركة المرأة في الحياة السياسية.* ولكن يرى أنصار الحقوق السياسية للمرأة والمؤيدون لها، أنهم في غير حاجة أصلاً إلى البحث عن أدلة تبيح الحقوق السياسية للمرأة لسبب بسيط ـ ولكنه عظيم الأهمية ـ وهو أن الأصل في الأشياء الإباحة، فكل التصرفات والعادات والمعاملات والتنظيمات، الأصل فيها هو الحل، فالقائل بمشروعية الحقوق السياسية للمرأة غير مطالب بتقديم الدليل على دعواه، لأن معه دليل الأصل وهو دليل قوي في الشريعة الإسلامية.* كما أننا نستشهد هنا ببعض المؤكدات الشرعية لحقوق المرأة السياسية التي أوردها د. عبد الحميد الأنصاري ـ عميد كلية الشريعة الأسبق بجامعة قطر وهي:1 ـ لم يثبت ورود نص قرآني أو سنة نبوية أو إجماع صحيح صريح أو قياس معتبر يحرم حق الانتخاب والترشح على المرأة، فليس من حق البشر أن يقولوا بالتحريم من غير دليل، إذ لو كان محرماً لنص عليه القرآن أو فصلته السنة.2 ـ إننا يجب ألا نلزم أنفسنا ولا نلزم الآخرين إلا بالنصوص الصريحة الثابتة، أما النصوص غير الثابتة كالأحاديث الضعيفة أو ما كان محتملاً لأكثر من رأي، فليس لأحد أن يلزم الأمة برأيه وبخاصة في الأمور الاجتماعية العامة.3 ـ حقوق الإنسان، ومنها حق الانتخاب والترشح، هبة من الله تعالى خالق الإنسان بمقتضى التكريم الإلهي.4 ـ المساواة العامة في الحقوق والواجبات بين الجنسين، هي القاعدة العامة في الشريعة، إلا ما استثني بنص صريح.5 ـ المرأة تساهم الآن في بناء المجتمع وتطوره وتقدمه ، فهي شريكة ومن حقها أن يكون لها رأي في أمر مجتمعها وفي صنع القرار، والقرآن يجعل مسؤولية بناء المجتمع وتقويمه وإصلاحه، مسؤولية مشتركة بين الجنسين في قوله تعالى:” والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر”.6 ـ العمل الانتخابي، توكيل ونيابة، والعمل النيابي، رقابة وتشريع والمرأة في الإسلام ليست ممنوعة من التوكيل أو من الرقابة والتشريع.7 ـ ولا يقال إن لا حاجة للمرأة في الانتخاب أو دخول البرلمان، بل الحاجة قائمة وهي حاجة اجتماعية وسياسية وهي أكبر من الحاجات الفردية، فمشاركة المرأة في الانتخاب ودخولها المجلس النيابي لنصرة الحق والعدل والاتجاه الإصلاحي، في كل ذلك خير لها ولمجتمعها، وكذلك فإن للمرأة مطالب وحقوقاً وهي أقدر على التعبير عنها وبخاصة فيما يتعلق بأمور المرأة والأسرة والأطفال، فيجب أن تكون حاضرة لتعبر عن رأيها بنفسها، ولذلك فوجود المرأة في البرلمان ضروري من أجل ترشيد القرار وتدعيم القيم الإيجابية.8 ـ المرأة المسلمة في صدر الإسلام مارست أشكالاً من الحقوق السياسية تمثلت في البيعة والهجرة والدفاع عن الإسلام والرقابة السياسية، وبالأسلوب المتناسب مع ذلك العصر، ولا يوجد في الشريعة ما يمنع المرأة من مزاولة الحقوق السياسية وبالأسلوب المتناسب مع هذا العصر.* وأخيراً فإن قضية الحق السياسي للمرأة في الانتخاب والترشيح أصبحت محسومة على المستوى السياسي لدى معظم التيارات السياسية الإسلامية، والفكر السياسي الإسلامي قد تجاوز هذه القضية، كما تجاوز من قبل قضيتي تعليم المرأة وعملها.* ومن حظ المرأة اليمنية على وجه التحديد أنها منحت لها حقوق سياسية متساوية مع أخيها الرجل حسب ما كفله لها الدستور اليمني أفضل من غيرها في بلدان عربية، كما أنها تحظى باهتمام القيادة السياسية للدولة، ومناصرة بعض الأحزاب السياسية في البلاد، إلى جانب دعم وتأييد منظمات المجتمع المدني غير الحكومية بحقوقها السياسية في الانتخاب والترشيح للانتخابات النيابية القادمة.* خلاصة القول لم يعد أمام المرأة من سبيل إلا أن تهيئ نفسها لخوض التنافس الانتخابي للدورة النيابية القادمة بكل كفاءة واقتدار، وأن تحسن التنسيق والتحضير الجيد لهذه الانتخابات مع المؤيدين لها بحق الترشح، والداعمين لها من هذا الحزب أو ذاك، أو من منظمات المجتمع المدني أو من المستقلين المناصرين لها، حتى يكون هناك إجماع مبدئي بترشحها، وأن تتم الاستفادة من كل خبرة سابقة في مجال التنافس الانتخابي، وأن تستوعب قواعد وأصول اللعبة الديمقراطية في الاستحقاق الديمقراطي، وبقدر أهل العزم تأتي العزائم، فالمعركة الانتخابية لها إستراتيجية وتكتيكات ميدانية متغيرة، وعلى المرشحة لهذه الانتخابات التنافسية للدورة الرابعة النيابية القادمة، أن تدركها تمام الإدراك، وأن تحسن كيفية التعامل معها، ولكل مجتهد نصيب.
