عندما بلغني خبر وفاة الدكتور/ علي محمد الزبيدي كُنت في عدن، على مقربة من مستشفى الجمهورية، أتلقى العلاج المعتاد، وللقارئ أن يدرك كم سيكون وقع هذا الخبر كبيراً في نفسي، إذا ما علم ان صداقة وعلاقة إخاء وزمالة حميمة ربطتني بالفقيد، سواء في مراحل النضال الوطني ضد المستعمر البريطاني، أو في مرحلة الثانوية في ثانوية الشعب، أو أثناء دراسته في الاتحاد السوفيتي في مجال الطب، حيث جمعتنا هناك سنوات من التفاني في التعليم والإخلاص للوطن، وتعزيز أواصر الصداقة والمحبة مع زملاء من دول مختلفة، وجمعنا أيضاً الانتماء المشترك لأسرتين فقيرتين صيادية وفلاحية.أثناء الكفاح المسلح كان للفقيد دور بطولي ساهم به مع رفاقه في انتصار الثورة وتحقيق الاستقلال المجيد، وكان أحد شباب منطقة جعار ومن قادة القطاع الطلابي التابع للجبهة القومية، وعنصراً فعالاً في كافة فعاليات التنظيم والقطاع الطلابي، حيث أسندت إليه مع عدد من زملائه مهمة إصدار نشرة دورية باسم (البناء) وانيطت به مسؤولية تنفيذ عدد من الحلقات التثقيفية الوطنية التي تبين أهمية النضال ضد المستعمر وآفاق الدولة الجديدة المرتقبة.وبحكم تنامي مهمات الفقيد على صعيد المنطقة، ومراقبة السلطة لتحركاته وأنشطته والفعاليات التي ينفذها في إطار الجبهة والقطاع، عملت على اتخاذ قرار (تزفيره) من المنطقة هو وبعض زملائه النشطين ـ وأتذكر منهم الأستاذ/ عبدالحافظ أحمد والأخ/ سيف ـ الذين جمعته بهم ظروف النضال السري ضد الاحتلال ورموزه في المنطقة.وبعد انتقال الفقيد للدراسة في عدن، كان المناضل الشهيد/ جاعم صالح محمد هو الرابط بين الجبهة وبين مجموعة الطلاب المنضوين تحت لوائها في ثانوية الشعب، وكنت أنا من ينقل إلى (جاعم) توجيهات وخطط القيادة كي يتم تنفيذها على صعيد القطاع الطلابي، وكان الفقيد أحد العناصر النشطة والجريئة في صفوف أولئك الشباب الثائر وتحمل عدة مسؤوليات على هذا الصعيد.عندما غادرنا إلى الاتحاد السوفيتي للدراسة كنت موجوداً هناك وأتحمل مسؤولية الطلاب اليمنيين، ولاحظت أثناء تلك السنوات أن الفقيد مثار اهتمام زملائه من طلاب يمنيين وعرب وأجانب لما يتميز به من روح مرحة وفكاهية وقدرة على انتزاع الاعجاب والتقدير، إلى درجة أن من يلتقيه لمدة بسيطة يشعر أنه يعرفه منذ عدة سنوات.وقد اجتهد الفقيد كثيراً في دراسته وبرز فيها، وإلى جانب اهتمامه بالدراسة كان مشاركاً نشطاً وقيادياً لفعاليات كثيرة تمت في إطار المدينة التي كان يدرس ويسكن بها، وتعدت تلك المشاركات إلى مستوى الفعاليات التي كنا نقيمها في العاصمة (موسكو) في مناسبات مختلفة وخاصة أعياد الثورة اليمنية.لم يكن الفقيد مندفعاً ولا مبادراً إلى أي فعل يشعر إن فيه أذى للآخرين، كان هادئاً، ويمتلك صفات النبل والإخاء والتسامح وحب الخير، وعندما عاد إلى الوطن جسد كل معارفه وعلومه التي تلقاها أثناء دراسته إلى واقع عملي، واشتهر محباً لمرضاه، مساعداً لكل ذوي الحاجة وخاصة أولئك الذين يأتون من أبين، معلقين الأمل عليه بعد الله في شفاء مرضاهم.الحقيقة .. أن هناك الكثير مما يمكن كتابته عن الفقيد، ولعل هناك الكثير من الزملاء ممن سيوفونه حقه.وقد دارت في ذهني الكثير من الذكريات الجميلة معه في الوطن أو خارجه وأنا اقف مشاركاً في مراسم دفنه في مقبرة جعار مع عدد من زملائه صباح ذلك اليوم الحزين الذي وارى جسده الطاهر الثرى، وقد مثل حضور ذلك الجمع الكبير المشارك في الدفن مدى حب الناس له ومكانته الكبيرة في نفوسهم.تغمد الله الفقيد بواسع رحمته واسكنه جنان خلده وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.(إنا لله وإنا إليه راجعون)[c1] نائب وزير الثقافة
ولد بابتسامة .. ورحل بابتسامة
أخبار متعلقة
