منذ خريف الثورات والانقلابات التي شهدتها بعض الدول العربية من تونس ومصر إلى اليمن والسودان ونحن نرى منطقة الشرق الأوسط تعيش مرحلة شديدة التعقيد تتداخل فيها التدخلات الخارجية مع أزمات الداخل وتتقاطع فيها المصالح الدولية مع أدوات محلية باتت جزءً من صراع أوسع على النفوذ والسيادة .
ولم تكن تلك الأحداث في تقديري مجرد تحولات داخلية منفصلة بل شكلت نقطة انطلاق فتحت الباب أمام قوى دولية وإقليمية للتغلغل في بنية الدول ومؤسساتها واختراق منظومة السيادة الوطنية عبر أذرع محلية بما يخدم مشاريع لإعادة تشكيل المنطقة وفق تصورات ومخططات تعود جذورها إلى عقود مضت .
لقد اقتربت القوى الطامعة من أهدافها أكثر من أي وقت مضى فمدت يدها إلى دول ذات سيادة وأصبحت بعض تلك الدول ساحات مفتوحة للصراع والنفوذ ومنها حاولت التأثير في دول الجوار التي سلمت من تلك الثورات وشراكها محاولة تهديد استقرارها لولا تماسك أنظمتها ورسوخ مؤسساتها ووعي شعوبها وقياداتها التي أدركت مبكراً خطورة الانجرار إلى الفوضى .
ومع ذلك لم تتوقف محاولات الاختراق بل استمرت بأشكال متعددة مستهدفة حتى أبسط مقومات الاستقرار مصداقاً لقوله تعالى:
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
واليوم وفي ظل هذه التحولات بدأت بعض الدول العربية والإسلامية المتماسكة والتي تمتلك تأثيراً إقليمياً ودولياً تتحرك في الاتجاه المعاكس للموجات التي استهدفت المنطقة وتعيد ترتيب أوراقها بما يحمي مصالحها وسيادتها ويمنع استكمال المشاريع التي جرى الإعداد لها منذ خمسة عقود وأكثر.
وفي هذا السياق يمكن النظر إلى حلف مكة باعتباره أحد ملامح التحول في المشهد الإقليمي فالمخاض الذي مرت به المنطقة طوال السنوات الماضية أفرز واقعاً جديداً يدفع باتجاه بناء توازن عربي وإسلامي أكثر حضوراً قادر على مواجهة مشاريع الهيمنة والتفكيك واستعادة زمام المبادرة في قضايا المنطقة .
متجاوزاً الأطماع الصليبة والفارسية المعهودة والمستمرة
لقد أصبحت دول هذا التكتل بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي وعسكري ومكانة دينية أكثر قدرة على حماية مصالحها ومواجهة محاولات العبث بأمنها واستقرارها وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية التي رسخت خلال السنوات الماضية حضورها كقوة مؤثرة في الاقتصاد والسياسة والأمن على المستويين الإقليمي والدولي .
ولعل الأهم في مخاض المرحلة الراهنة أن المنطقة بدأت تتحرك تدريجياً من واقع كانت تُفرض فيه المشاريع عليها إلى واقع تسعى فيه الدول العربية والإسلامية إلى صناعة مشاريعها بنفسها وتحديد أولوياتها وحماية أمنها القومي وبناء شراكاتها وفق مصالحها لا وفق إرادة القوى الخارجية ممثلةً بدول الحلف وما ستنظم إليها من باقي الدول العربية والاسلامية المؤثرة والفاعلة في المنطقة كما نتوقع .
ومن هنا فإن مخاض الشرق الأوسط اليوم قد لا ينتهي بالضرورة إلى الصورة التي أرادتها المشاريع الدولية المتنافسة بل ربما يقود إلى ولادة مشروع عربي إسلامي أكثر استقلالاً وتماسكاً . يستطيع حماية مصالح المنطقة وسيادتها وترسيخ أمنها واستقرارها وإعادة الاعتبار لدورها ومكانتها .
إنها مرحلة مخاض طويلة وقد تكون مليئة بالألم والتحديات لكن الأمم لا تُقاس بما تمر به من أزمات وإنما بقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص والتهديدات إلى قوة والتحديات إلى مشروع .
فالشرق الأوسط الذي أُريد له أن يكون ساحة لمشاريع الآخرين قد يكون اليوم في طريقه لأن يصبح صاحب مشروعه ومن رحم هذا المخاض قد تولد مرحلة عربية وإسلامية جديدة تستعيد فيها الأمة قرارها وتحمي سيادتها وتفرض حضورها في صناعة مستقبلها وهذا ما نقرأه من خلال الواقع .
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
*مستشار وزارة السياحة
