مع إشراقة عام دراسي جديد، تستعد المدارس في مختلف المحافظات لاستقبال أبنائنا الطلاب، وتُفتح أبواب الفصول من جديد، حاملةً معها أملاً كبيراً بأن يكون هذا العام أفضل من سابقه، وأن تستمر عجلة التعليم رغم كل الظروف القاسية التي تعصف بالوطن والمواطن.
لكن الحقيقة التي يجب أن نقولها بصراحة ودون تجميل هي أن العام الدراسي الجديد يبدأ في ظروف استثنائية وصعبة للغاية؛ فالأسرة اليمنية تعاني من أعباء اقتصادية ومعيشية متزايدة، والمعلم يواجه أزمات متراكمة، والمدرسة الحكومية تعاني نقصاً في الإمكانات، بينما يقف الطالب بين كل هذه الظروف حاملاً حقيبته وأحلامه، منتظراً أن يجد في مدرسته بيئة تساعده على التعلم وبناء مستقبله.
وفي هذا الشهر، ومع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات شديدة القسوة، خصوصاً في المدن والمناطق الساحلية، تصبح مهمة المدارس أكثر صعوبة، لا سيما في ظل انعدام الكهرباء أو عدم انتظامها في كثير من المدارس الحكومية. فكيف يمكن للطالب أن يستوعب دروسه في فصل دراسي شديد الحرارة؟ وكيف يستطيع المعلم أن يؤدي رسالته بكفاءة وهو يقف لساعات طويلة أمام طلابه في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار النفسي؟
إنها ليست منغصة عابرة، وليست محاولة للبحث عن الأعذار، وإنما واقع يجب أن تتعامل معه الجهات المسؤولة بجدية وشجاعة.
المعلم في جبهة لا تقل خطورة
هناك جبهات يعرفها الجميع، تُخاض فيها المعارك بالسلاح، وهناك جبهة أخرى قد لا يسمع العالم أصواتها، لكنها تحدد مستقبل اليمن كله: جبهة التعليم.
وفي هذه الجبهة يقف المعلم في الصف الأول.
المعلم الذي ينتظر راتبه المتأخر، أو يتقاضى راتباً لم يعد يتناسب مع أبسط متطلبات الحياة، ثم يُطلب منه أن يذهب إلى مدرسته يومياً، وأن يؤدي رسالته بكامل طاقته، وأن يتحمل أعباء التدريس والإدارة والظروف الاجتماعية والنفسية للطلاب.
نحن لا نقلل من واجبات المعلم، بل نؤكد أن عليه مسؤولية وطنية وأخلاقية عظيمة، لكن الواجبات لا يمكن أن تكون بلا حقوق، والمسؤولية لا يمكن أن تُبنى على المعاناة وحدها.
فالمعلم إنسان لديه أسرة، وأطفال، واحتياجات أساسية من غذاء ودواء ومواصلات وسكن. ومن الصعب أن نطالبه بالعطاء المستمر بينما حقوقه المعيشية تتآكل يوماً بعد آخر.
ولهذا، فإن انتظام صرف رواتب الكادر التربوي، وتحسينها، ومعالجة أوضاع المعلمين، ليست مطالب فئوية ضيقة، وإنما هي استثمار مباشر في مستقبل التعليم والوطن.
الطالب هو الضحية إذا فشلنا
أما الطالب، فهو الحلقة التي يجب أن نخشى عليها أكثر من غيرها.
فالأوضاع الاقتصادية الصعبة قد تدفع بعض الأسر إلى إخراج أبنائها من المدارس والزج بهم في سوق العمل، أو تحميلهم مسؤوليات تفوق أعمارهم، وقد تؤدي الظروف الاجتماعية إلى تسرب آخرين من التعليم بصورة تدريجية حتى يجد الطالب نفسه خارج المدرسة دون أن يشعر.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة:
لا ينبغي أن نخسر طالباً واحداً بسبب الفقر أو الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية.
كل طالب يترك مقعده الدراسي هو مشروع مستقبل نخسره.
وكل طفل يتسرب من المدرسة اليوم قد يصبح غداً عاملاً في ظروف قاسية، أو ضحية للجهل، أو فريسة سهلة للاستغلال والتطرف والانحراف.
أما الطالب الذي يبقى في المدرسة، ويتعلم، ويحصل على الرعاية والتوجيه، فهو مشروع طبيب ومهندس ومعلم وقائد وباحث ورجل دولة، وهو في النهاية جزء من مستقبل اليمن الذي نريد بناءه.
لا يكفي أن نفتح أبواب المدارس
فتح المدارس واستقبال الطلاب خطوة مهمة، لكنها ليست النهاية.
السؤال الحقيقي هو: ماذا وجد الطالب عندما دخل المدرسة؟
هل وجد فصلاً مناسباً؟
هل وجد معلماً مستقراً ومحفزاً؟
هل وجد الحد الأدنى من الخدمات الأساسية؟
هل وجد بيئة آمنة تساعده على التعلم؟
هل وجد اهتماماً حقيقياً بمستقبله؟
إذا كنا نريد عاماً دراسياً ناجحاً، فلا بد أن تتحول عودة الطلاب إلى المدارس إلى قضية وطنية ومجتمعية مشتركة، لا أن تبقى مسؤولية وزارة التربية والتعليم والمعلم ومدير المدرسة وحدهم.
المسؤولية على الجميع
اليوم نحن بحاجة إلى تكاتف حقيقي بين الجميع.
السلطة والحكومة والسلطات المحلية مطالبة بأن تضع التعليم في مقدمة أولوياتها، وأن تعمل على معالجة أوضاع المعلمين، وانتظام الرواتب، وتحسين بيئة المدارس، وتوفير ما يمكن توفيره من خدمات أساسية، خصوصاً في المناطق التي تعاني من الحرارة الشديدة وانعدام الكهرباء.
القطاع الخاص والتجار ورجال الأعمال عليهم أيضاً مسؤولية وطنية وأخلاقية. فدعم المدارس ليس منّة على الدولة ولا صدقة على الطلاب؛ إنه مساهمة في حماية مستقبل المجتمع. ويمكن للتجار ورجال الأعمال أن يقدموا الكثير، من توفير مراوح ومستلزمات مدرسية ومياه شرب وأجهزة طاقة شمسية، إلى دعم الأنشطة التعليمية ومساعدة المدارس الأكثر احتياجاً.
يتبع
