إن العامل الذي يفني سنوات عمره في خدمة منشأة أو شركة، من حقه أن يضمن ثمرة جهده، لا أن يُترك لمصير مجهول عند أول إصابة أو عند بلوغه سن الشيخوخة أو - لا قدر الله - عند الوفاة. وهنا يأتي دور التأمينات الاجتماعية التي تمثل المظلة القانونية والإنسانية التي تكفل له معاشًا تقاعديًا يضمن له ولأسرته حياة كريمة.
لكن المؤسف أن هناك تقصيرًا واضحًا من قبل بعض أصحاب الأعمال، الذين يتجاهلون تسجيل موظفيهم في التأمينات، أو يلجؤون إلى تسجيلهم بأجور غير حقيقية، في محاولة للتهرب من الالتزامات القانونية. هذا السلوك لا يمثل فقط مخالفة صريحة للقانون، بل هو انتهاك مباشر لحقوق العامل، واعتداء على مستقبله.
إننا نؤكد أن تسجيل جميع العاملين - دون استثناء - وبأجورهم الحقيقية، ليس مجرد التزام قانوني فحسب، بل هو واجب أخلاقي وإنساني يعكس مدى احترام صاحب العمل لحقوق الإنسان وقيم العدالة. فكل عامل يتم إخفاؤه من كشوفات التأمين، هو قصة معاناة مؤجلة، وكل أجر غير حقيقي يتم تسجيله، هو حق مسلوب سيظهر أثره عند الحاجة.
ومن هذا المنبر، من صحيفة 14 أكتوبر، ندعو جميع أصحاب الأعمال إلى تصحيح أوضاعهم فورًا، والالتزام الكامل بتسجيل كافة الموظفين والمتعاقدين لديهم، دون إخفاء أي عامل، وبالأجر الفعلي الذي يتقاضاه، حفاظًا على حقوقهم وضمانًا لمستقبلهم.
كما ندعو الجهات المختصة إلى تشديد الرقابة، وتفعيل أدوات المساءلة القانونية بحق كل من يثبت تقصيره أو تلاعبه بحقوق العاملين، فحماية حقوق الناس ليست مجالًا للتهاون أو المجاملة.
وفي السياق ذاته، نوجه رسالة مهمة إلى خريجي الجامعات والشباب الباحثين عن فرص عمل: إن دخولكم سوق العمل يجب أن يكون مقرونًا بالوعي بحقوقكم، وفي مقدمتها الحق في التأمين. فالتأمين الاجتماعي ليس رفاهية، بل هو الضمان الحقيقي لحفظ سنوات خدمتكم من الضياع، وتأمين مستقبلكم في حالات العجز أو الشيخوخة أو الوفاة، وخاصة أولئك المقيدين بالخدمة، حيث يمثل التأمين سجلًا رسميًا يحفظ تاريخكم الوظيفي ويؤمن حقوقكم التقاعدية.
كما نؤكد للشباب خريجي الجامعات والمعاهد أن التأمين لا يحفظ فقط حقوقكم في القطاع الخاص، بل يمتد أثره إلى مستقبلكم الوظيفي الكامل؛ ففي حال حصولكم على وظيفة حكومية وأنتم مشمولون بالتأمين، يتم نقل سنوات خدمتكم كاملة، وتُحتسب ضمن خدماتكم الوظيفية دون ضياع، لتُضاف منذ أول شهر تستلمون فيه راتبكم، وهو ما يعزز استقراركم الوظيفي ويضمن عدم فقدان أي جهد بذلتموه في بداية مسيرتكم.
إن بناء مجتمع عادل ومستقر يبدأ من احترام حقوق العامل، وترسيخ ثقافة التأمين كجزء أساسي من بيئة العمل. فالدول لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها، بل بمدى قدرتها على حماية الفئات العاملة فيها.
وفي الختام، نؤكد أن التأمينات الاجتماعية ليست عبئًا على أصحاب الأعمال، بل هي استثمار في الاستقرار، وضمان لاستمرارية العمل، وتعزيز للثقة بين العامل وصاحب العمل. فلنكن جميعًا شركاء في حماية حقوق الإنسان، وصناعة مستقبل أكثر أمانًا وعدالة.
*مدير عام مكتب المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية - فرع الضالع
