في العلاقات الإنسانية، نميل إلى تفسير الفراق بوصفه خيانة. أما في الإقليم، فيُسمّى الأمر بلغة أكثر تهذيبًا: إعادة تموضع، أو تغيّر أولويات. الدولة لا تدخل تحالفًا بدافع العاطفة، ولا تغادره بدافع القطيعة الأخلاقية، بل وفق ميزان الربح والخسارة.
ولهذا تبدو المقارنة بين صداقات الأفراد وتحالفات الدول كاشفة؛ فالسياسة لا تمتلك ذاكرة، بينما الشعوب تدفع ثمن الثقة الزائدة.
في لحظات الخطر، رُفعت شعارات الشراكة والمصير المشترك، وقُدّم الجنوب بوصفه حليفًا ضروريًا في معادلة إقليمية معقدة. تقاطعت المصالح، وتقدّمت التضحيات، واعتُقد أن ما بُني في زمن النار سيصمد بعد انطفائها. لكن ما إن تغيّر المشهد الإقليمي، حتى بدأ التراجع الناعم: دعم أقل، حضور أضعف، وخطاب مائع لا يشبه الوعود الأولى.
العامل السياسي هنا لم يكن طارئًا، بل كان جوهر العلاقة منذ البداية. فالتحالفات في الإقليم لا تُدار بمنطق الثبات، بل بمنطق الاستخدام المرحلي. من كان حليفًا بالأمس، قد يتحوّل اليوم إلى عبء، أو ورقة تفاوض، أو ملف مؤجل إلى يوم غير معلوم. التاريخ القريب في الجنوب يثبت أن الذاكرة السياسية أشبه بذاكرة الذبابة، وأن الأخلاق ليست جزءًا من معادلات النفوذ.
لكن المشكلة لا تكمن في تغيّر العلاقات بحدّ ذاتها، بل في الوهم الذي جرى تسويقه حولها. حين طُلب من الجنوبيين التعامل مع السياسة بوصفها صداقة طويلة الأمد، كان ذلك خطأً في الفهم. وحين أُديرت العلاقة مع الإقليم بعقلية التحالفات المؤقتة، دون ضمانات واضحة أو شراكة متكافئة، تحوّل الإنجاز إلى حالة قلق دائمة. هنا تحديدًا وقع الخلل؛ فلكل مجال منطقه، لكن خلط منطق السياسة بمنطق الثقة الشعبية هو ما صنع الخيبة.
إقليميًا، الأخطر من تبدّل التحالفات هو إنكار نتائجها. تُستنزف الساحات، وتُحمَّل المجتمعات أثمان الصراع، ثم يُعاد ترتيب المشهد وكأن الدم لم يُسفك، وكأن التضحيات لم تُقدَّم. لا مراجعة، ولا اعتراف، بل خطاب تخديري جديد يُطالب الجميع بالتكيّف مع الواقع المستجد كما هو بغباره.
في عالم تُدار فيه العلاقات بلا ذاكرة، يصبح الرهان على الخارج وحده مخاطرة استراتيجية. الجنوب اليوم أمام درس سياسي قاسٍ لكنه واضح: التحالفات لا تُبنى على النوايا، بل على المصالح المتبادلة والضمانات الصلبة. فالدول لا تتذكر، والإقليم لا يعتذر، ومن لا يدرك هذه الحقيقة مبكرًا، سيظل يدفع الثمن كل مرة باسم الشراكة، وكل مرة باسم الصداقة.
وسلامتكم،،
