هذا المنطق لم يُنتج استقرارًا، بل نوعًا من «الفوضى المُدارة»، حيث تُحتوى التهديدات دون أن تُحل، وتُدار الأزمات بدل أن تُغلق، ويُرحَّل الصراع بدل تفكيكه.
الردع المعكوس: حين يصبح المُهدِّد هو الرادع
بدل أن تُردَع إيران ووكلاؤها بفعل التفوق العسكري والسياسي الغربي، تعلّموا عمليًا كيف يردعون خصومهم. فمن خلال التلويح بتوسيع رقعة الصراع—سواء عبر مضيق هرمز، أو استهداف القواعد الأمريكية، أو تفجير الجبهات بالوكالة من لبنان إلى اليمن—فرضت طهران سقفًا نفسيًا للفعل الدولي، وحدّت من هامش المناورة لدى القوى الكبرى.
باتت كلفة الرد تُصوَّر دائمًا على أنها أعلى من كلفة الصمت. ومع الوقت، انقلب منطق الردع التقليدي، وتحول إلى بيئة يتمتع فيها الطرف الأكثر تهديدًا بأكبر قدر من النفوذ.
من إدارة الأزمات إلى الشلل الاستراتيجي
السياسة الغربية، وخصوصًا الأمريكية، اتجهت إلى الاحتواء التكتيكي بدل الإغلاق الاستراتيجي للصراعات. عقوبات بلا أفق حسم، ضربات محدودة بلا متابعة سياسية، استعراض قوة بلا استعداد لتغيير المعادلة.
ويظهر هذا التناقض بوضوح حتى في أكثر المواقف الأمريكية استعراضًا للقوة. فعلى الرغم من الحشد البحري والجوي الكبير الذي شهدته المنطقة في عهد ترامب، ظل الخطاب الاستراتيجي تجاه إيران غامضًا ومفتوحًا على كل الاحتمالات: ردع بالقوة العسكرية من جهة، وتجنّب التزام سياسي واضح بالمواجهة من جهة أخرى.
الافتراض الحاكم هنا هو أن التصعيد دائمًا أسوأ من التآكل، حتى لو كان هذا التآكل يعيد تشكيل ميزان القوى تدريجيًا لصالح القوى المراجِعة للنظام الإقليمي. هكذا تحوّلت إدارة الأزمات إلى عقيدة، وأصبح الحذر سياسة دائمة.
الحديدة وUNMHA : كلفة تجميد الصراع
تكرّس هذا النمط أولًا في اليمن، قبل أن يصبح البحر الأحمر عنوانًا للأمن العالمي. اتفاق ستوكهولم عام 2018 وتجميد جبهة الحديدة شكّلا لحظة مفصلية. ما قُدّم كضرورة إنسانية تحوّل فعليًا إلى مساحة سياسية معلّقة، احتفظ فيها الحوثي بالسيطرة على ميناء استراتيجي تحت مظلة حماية دولية غير مباشرة.
قرار مجلس الأمن بإنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (UNMHA) بعد ست سنوات من وجودها، لا يمكن قراءته كإجراء إداري عابر. إنه اعتراف مؤسسي ضمني بفشل نموذج «تجميد الصراع». البعثة راقبت ورفعت تقارير، لكنها لم تغيّر ميزان القوى، ومع الوقت تحوّل وجودها إلى نوع من الشرعنة الدولية لوضع ميداني مكّن الحوثي من ترسيخ سيطرته العسكرية والاقتصادية.
السعودية وعبء العقلانية
في هذا السياق، يُساء فهم الموقف السعودي على نحو متزايد. فالمملكة جعلت من الاستقرار الإقليمي أولوية استراتيجية، انطلاقًا من قناعة بأن التنمية والاستثمار والأمن طويل الأمد لا يمكن أن تقوم على منطق المواجهة الدائمة. هذا موقف عقلاني في إقليم منهك بالحروب، لكنه يحمل كلفة سياسية في بيئة غير عقلانية.
الدبلوماسية السعودية بطبيعتها متحفظة إعلاميًا. تفضّل التفاوض الهادئ على التصريحات الصاخبة، ما يخلق فراغًا في المجال العام، وقد امتلأ هذا الفراغ مؤخرًا بسرديات أمريكية متناقضة تضعف المصداقية الاستراتيجية للموقف السعودي أيًا كان شكله.
عقيدة الخوف الجديدة
في المقابل، تستفيد إيران من منطق الخوف ذاته الذي يُفترض أنه يقيّدها. كل مرة يُتجنب فيها التصعيد، يتوسع هامشها الإقليمي. وكل مرة تُحتوى فيها المليشيات بدل تفكيكها، تكتسب شرعية سياسية واستراتيجية.
الخطر الحقيقي ليس اندلاع حرب إقليمية كبرى، بل تطبيع معادلة جديدة في النظام الدولي: كلما زاد التهديد، قلّت احتمالات المواجهة الحاسمة. هذا ليس ردعًا، بل استسلام استراتيجي مقنّع بالحذر. وإذا استمر الخوف في توجيه السياسات أكثر من الاستراتيجية، فلن يتجه الشرق الأوسط نحو الاستقرار، بل نحو فوضى تفاوضية دائمة.
