هل هي عودة الحضور أم بداية مرحلة جديدة؟
فليست كل عودة إلى المشهد السياسي تعني استعادة دور كما أن الغياب عن المشهد لا يعني الغياب عن الحاضنة الوطنية. فهناك شخصيات تحتفظ برصيدها السياسي والاجتماعي لأنها بنت مكانتها بالمواقف قبل المناصب وبالثبات قبل الحضور الإعلامي والحقيقة أنّ المهندس أحمد بن أحمد الميسري يمثل إحدى تلك الشخصيات التي أعادت الأسابيع الأخيرة تسليط الضوء عليها .
فبعد أكثر من خمس سنوات من الابتعاد عن المشاركة السياسية المباشرة عاد الميسري إلى المشهد لا عبر إعلان سياسي أو مؤتمر صحفي وإنما من خلال حراك واسع فرضته الوقائع فمنذ وصوله الرياض لم تتوقف اللقاءات التي يعقدها مع مختلف الشخصيات والقيادات السياسية والاجتماعية في مشهد استثنائي امتد لأكثر من شهر ولا زال مستمر متجاوزاً في دلالاته حدود المجاملات البروتوكولية .
اللافت في هذه اللقاءات أنها لم تقتصر على الحلفاء أو المقربين بل ضمت شخصيات ومكونات كانت على خلاف سياسي معه في مراحل سابقة إلى جانب وزراء ومسؤولين في الدولة وقيادات حزبية وشخصيات اجتماعية وقبلية وإعلاميين وحقوقيين ونشطاء وناشطات فضلاً عن لقاءاته مع مسؤولين معنيين بالملف اليمني وفي مقدمتهم معالي السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر ومعالي الفريق الركن فهد السلمان قائد القوات المشتركة.
إن تنوع هذه اللقاءات واستمرارها بهذا الزخم يعكس حقيقة سياسية يصعب تجاهلها وهي أن الميسري لا يزال يحتفظ برصيد معتبر من الثقة والقبول على المستوى اليمني وأنه الشخصية التوافقية التي تحضى اليوم باحترام وقبول الجميع وأن سنوات الغياب لم تُفقده حضوره في الذاكرة السياسية بل ربما عززت من مكانته لدى من يقيسون الرجال بثبات مواقفهم لا بتبدل مواقعهم.
ولم يكن هذا الحضور وليد اللحظة بل هو امتداد لمسيرة سياسية اتسمت بالتمسك بالمواقف التي آمن بها الرجل سواء اتفق معه الجميع أم اختلفوا حولها. وهذا ما يفسر حرص الكثير من الشخصيات حتى من اختلفت معه سابقاً على فتح صفحة جديدة عنوانها الحوار وإدراك أن المرحلة الراهنة تفرض تغليب المشتركات الوطنية على خلافات الماضي .
لقد عاد الميسري إلى المشهد من بوابة واجب العزاء في فقيد الوطن الرئيس المشير عبدربه منصور هادي غير أن المشهد سرعان ما احتضنه وتجاوز إطار المناسبة ليتحول إلى حراك سياسي واجتماعي لافت أعاد طرح تساؤلات مشروعة حول موقع الرجل في المرحلة المقبلة وحول ما إذا كانت الساحة اليمنية تتجه إلى إعادة الاعتبار لشخصيات تمتلك رصيدا من القبول الوطني غلبت المصلحة الوطنية العليا على مصالحها الضيقة والذاتية وتملك القدرة على بناء الجسور بين المكونات المختلفة بكل سلاسة ومصداقية .
إن القراءة الموضوعية تقتضي التفريق بين الوقائع والاستنتاجات. فاللقاءات المكثفة تعكس اهتماماً سياسيا واجتماعيا واضحا لكنها لا تكفي وحدها للجزم بوجود ترتيبات أو تفاهمات لم يُعلن عنها رسميا. غير أنها في الوقت ذاته تؤكد أن أحمد الميسري أهم الأسماء التي يصعب تجاوزها عند الحديث عن مستقبل المشهد اليمني .
واليوم تبدو اليمن أحوج ما تكون إلى شخصيات تمتلك القدرة على جمع المختلفين وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة وإحياء لغة الحوار بدلا من القطيعة. وإذا كان للمشهد الذي نراه اليوم من رسالة فإن أبرزها أن رصيد الثقة الذي تبنيه المواقف الصادقة يظل حاضرا حتى وإن غابت المناصب وأن الوطن لا يزال بحاجة إلى كل شخصية تستطيع أن تسهم في رأب الصدع ولمّ الشمل والعمل من أجل استعادة الدولة وبناء مستقبل يليق باليمنيين جميعا.
رحم الله فقيد الوطن فخامة الرئيس اليمني السابق المشير عبدربه منصور هادي الذي كان حضور الميسري للعزاء في وفاة فخامته سبباً في حضور رافعة سياسية أغفلت لسنوات ربما تكون اليوم الرافعة التي تنتشل الوطن من مغبة التباين السياسي والعجلة التي تساهم في تحرك الوطن بعد فترة الركود والتيه السياسي .
معالي المهندس :
بأسم أبناء الشعب اليمني عامة وأطيافه الإجتماعية والسياسية: مرحباً بحضورك وتوليك زمام الحراك السياسي اليمني نحو لملمة الصف وتعافي اليمن من ذلك الصلف وسمو الهدف وتعاون الجميع في بناء وإستعادة عافية الوطن والمواطن دون تغني زائف أو تأخير الحسم من أجل تقاسم المصالح والوظائف .
فأنت اكبر من ذلك كما عهدناك وغني عن التعريف فكن إلى جوار الوطن ولا تبتعد كثيرا فالمرحلة يستحقها و تستحق المخلصين.
ياسر الصيوعي
مستشار وزارة الثقافة والسياحة
