العثور على نقش نادر بخط المسند في مديرية عسيلان وسط دعوات عاجلة للتوثيق والدراسة العلمية




شبوة /14أكتوبر/ هلالة مبارك
في اكتشاف أثري جديد يعزز مكانة اليمن بوصفه أحد أهم مراكز الحضارات القديمة في الجزيرة العربية، عُثر في محافظة شبوة على قطعة حجرية أثرية نادرة تحمل نقوشاً بخط المسند اليمني القديم، وذلك في مديرية عسيلان بمنطقة الهجر الواقعة أسفل حيد بن عقيل، وهي منطقة معروفة بغناها بالشواهد التاريخية والأثرية المرتبطة بالممالك اليمنية القديمة.
ويأتي هذا الكشف ليضيف صفحة جديدة إلى السجل الحضاري العريق لمحافظة شبوة، التي شكلت عبر التاريخ مركزاً مهماً للحياة السياسية والتجارية والثقافية في جنوب الجزيرة العربية، واحتضنت العديد من المواقع المرتبطة بالممالك اليمنية التي ازدهرت لقرون طويلة وأسهمت في صناعة واحدة من أعرق الحضارات الإنسانية في المنطقة.
موقع يحمل إرثاً تاريخياً عميقاً
وتم العثور على القطعة الأثرية بالقرب من مقبرة "الهجر"، وهي منطقة تشير العديد من الدلائل والشواهد الميدانية إلى احتفاظها بآثار تعود إلى فترات تاريخية متعاقبة. ويُنظر إلى الموقع باعتباره أحد الأماكن التي قد تخفي بين جنباتها المزيد من الأسرار المتعلقة بتاريخ الاستيطان البشري القديم في شبوة، خصوصاً في ظل ما تزخر به المنطقة من معالم أثرية لم تخضع بعد للدراسة العلمية الشاملة.
ويرى مهتمون بالشأن الأثري أن الموقع المكتشف قد يكون جزءاً من منظومة أثرية أكبر تمتد في محيط المنطقة، الأمر الذي يفتح الباب أمام احتمالات العثور على نقوش أو شواهد إضافية يمكن أن تسهم في فهم أعمق للتاريخ المحلي ودور المنطقة في الحضارة اليمنية القديمة.

وصف القطعة الأثرية
وتعد القطعة المكتشفة عبارة عن حجر منحوت بعناية، يتخذ شكلاً مستطيلاً تقريباً، وقد صُنع من حجر فاتح اللون. ويظهر على سطحه عدد من الحروف والرموز المحفورة بطريقة يدوية دقيقة، تعكس مستوى متقدماً من المهارة الفنية والمعرفية التي امتلكها الإنسان اليمني القديم.
ورغم تعرض الحجر لعوامل التعرية الطبيعية على مدى قرون طويلة، وما نتج عنها من تشققات وفقدان أجزاء من أطرافه وتآكل بعض تفاصيله، إلا أن أجزاء مهمة من النقش لا تزال واضحة للعيان، ما يمنح الباحثين فرصة ثمينة لدراسته وتحليل محتواه.
وتنتظم الحروف والرموز المنقوشة في صفين أفقيين تقريباً، وتتميز بأشكال هندسية دقيقة وخطوط مستقيمة ومنتظمة، وهي السمات المعروفة لخط المسند، الذي يعد أقدم أنظمة الكتابة في جنوب الجزيرة العربية، وكان الوسيلة الرسمية لتدوين النصوص والنقوش في ممالك سبأ وقتبان وحضرموت وحمير.
من
ويمثل خط المسند أحد أبرز الشواهد الحضارية على تطور المجتمعات اليمنية القديمة، إذ استخدم في تسجيل الأحداث السياسية والإنجازات العمرانية والطقوس الدينية والمعاملات الاقتصادية، كما وثق أسماء الملوك والقبائل والآلهة والمواقع الجغرافية.
ويكتسب النقش المكتشف أهمية خاصة لكونه ينتمي إلى هذا النظام الكتابي العريق، ما يجعله مصدراً تاريخياً محتملاً يمكن أن يساهم في كشف معلومات جديدة حول سكان المنطقة وطبيعة حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والدينية خلال إحدى الفترات التاريخية القديمة.

دلالات تاريخية محتملة
وبحسب التقديرات الأولية، قد يكون الحجر جزءاً من بناء معماري ذي طابع ديني أو جنائزي، أو ربما كان شاهداً على قبر أو لوحة تذكارية خُصصت لتوثيق حدث مهم أو تخليد شخصية بارزة عاشت في تلك الحقبة.
ويؤكد مختصون أن الحسم في طبيعة القطعة ووظيفتها التاريخية يتطلب دراسة علمية متخصصة للنص المنقوش، بما يشمل تحليل شكل الحروف وأسلوب الكتابة ومقارنتها بالنقوش المعروفة والمؤرخة سابقاً في مناطق مختلفة من اليمن.
ومن شأن هذه الدراسات أن تساعد في تحديد الفترة الزمنية الدقيقة التي يعود إليها النقش، وربما الكشف عن أسماء أشخاص أو أماكن أو أحداث تاريخية لم تكن معروفة من قبل، وهو ما قد يضيف معطيات جديدة إلى تاريخ محافظة شبوة واليمن القديم عموماً.
حالة حفظ متوسطة وتحديات التوثيق
وأظهرت المعاينة الأولية أن القطعة الأثرية ما تزال تحتفظ بحالة حفظ متوسطة، حيث بقيت بعض الحروف واضحة نسبياً رغم آثار التآكل والتشقق التي طالت أجزاء أخرى من الحجر.
ويحذر مهتمون بالتراث من أن استمرار تعرض القطعة للعوامل البيئية قد يؤدي إلى فقدان مزيد من تفاصيلها المهمة، الأمر الذي يجعل من الضروري التدخل السريع لتوثيقها باستخدام وسائل التصوير الرقمي الحديثة وتقنيات المسح ثلاثي الأبعاد، بما يضمن حفظ تفاصيل النقش وإتاحتها للباحثين والمتخصصين.
كما يؤكد خبراء الآثار أن قراءة النقوش المسندية تحتاج إلى فحص مباشر من قبل متخصصين في اللغات والنقوش اليمنية القديمة، نظراً لما تتطلبه هذه المهمة من خبرة دقيقة في تفسير الرموز والحروف القديمة وربطها بسياقاتها التاريخية.
شبوة.. كنز أثري يحتاج إلى مزيد من البحث
كما يمثل هذا الاكتشاف دليلاً جديداً على ما تختزنه محافظة شبوة من كنوز أثرية لم تكشف بعد، حيث عرفت المنطقة تاريخياً بأنها إحدى أهم المراكز الحضارية في جنوب الجزيرة العربية، وارتبطت بالممالك القديمة التي لعبت أدواراً بارزة في التجارة الدولية، خصوصاً تجارة اللبان والبخور التي ربطت اليمن بالعالم القديم.
ويرى باحثون أن العديد من المواقع الأثرية في المحافظة ما تزال بحاجة إلى مسوحات ودراسات ميدانية منظمة، من أجل توثيق الإرث الحضاري الغني الذي تمتلكه المنطقة وحمايته من الاندثار أو العبث.

مطالبات بإيفاد بعثة أثرية متخصصة
وعقب الإعلان عن الاكتشاف، تصاعدت الدعوات الموجهة إلى الجهات المختصة والهيئات المعنية بالآثار والتراث الثقافي لإيفاد بعثة علمية متخصصة إلى الموقع، بهدف إجراء مسح أثري شامل للمنطقة ودراسة القطعة المكتشفة وفق المعايير العلمية الحديثة.
ويؤكد المهتمون أن سرعة التحرك باتت ضرورة ملحة ليس فقط لحماية الحجر المكتشف، بل أيضاً لاستكشاف ما قد تحتويه المنطقة من شواهد ونقوش أخرى يمكن أن تسهم في إعادة قراءة جانب مهم من تاريخ اليمن القديم.
ويظل هذا النقش، رغم صمته الممتد عبر القرون، شاهداً حياً على عظمة الحضارة اليمنية القديمة، ورسالة تاريخية تنتظر من يفك رموزها ويعيد إحياء قصتها، لتبقى شاهدة على الإرث الإنساني الذي صنعته أرض اليمن عبر آلاف السنين.
