تزامن هذا المقال مع نشر رؤيتين تحليليتين متكاملتين للكاتب باللغة الإنجليزية يوم 14 أبريل 2026، الأولى في مجلة The Washington Outsider تحت عنوان:
“Sovereign Maritime Regeneration: Why Red Sea Security Begins with Yemen’s State Restoration”،
والثانية في مجلة Eurasia Review بعنوان:
“Hormuz And Bab Al-Mandeb: The Geopolitics Of The Twin Maritime Chokepoints”.
ورغم أن المقالين أُرسلا للنشر بفارق زمني تجاوز سبعة أسابيع، فإن صدورهما في يوم واحد أبرز بصورة لافتة الترابط البنيوي بينهما، وكشف عن ثنائية تحليلية متكاملة تربط بين الجغرافيا البحرية، والاختناق الجيو-اقتصادي، وإعادة بناء الدولة اليمنية بوصفها شرطًا لاستدامة الأمن البحري.
هرمز وباب المندب: شرايين الاختناق في الاقتصاد العالمي
في القرن الحادي والعشرين، لم تعد القوة تُقاس فقط بحجم الجيوش أو التفوق العسكري المباشر، بل أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بالقدرة على التأثير في تدفقات الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية. وفي هذا السياق، تبرز الممرات البحرية الضيقة بوصفها مفاصل استراتيجية تختزل الجغرافيا فيها حركة الاقتصاد الدولي.
ويأتي مضيقا هرمز وباب المندب في صدارة هذه الممرات. فهرمز يمثل الشريان الرئيسي لصادرات النفط والغاز الخليجية، فيما يشكل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، والرابط الحيوي بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.
ولم تعد أهمية هذين المضيقين مقتصرة على عبور السفن، بل تحولا إلى أدوات ضغط جيو-اقتصادي يمكن لأي اضطراب فيهما أن يرفع تكاليف التأمين، ويؤثر في أسعار الطاقة، ويعيد تشكيل مسارات التجارة العالمية.
وهكذا، أصبح النفوذ في عصرنا لا يُمارس فقط عبر الحرب، بل عبر القدرة على التأثير في شرايين الاقتصاد العالمي.
معادلة الاختناق المزدوج: نظام مترابط لا ممران منفصلان
رغم البعد الجغرافي الظاهري بين هرمز وباب المندب، فإنهما في الواقع يشكلان نظامًا استراتيجيًا مترابطًا.
فالسعودية، على سبيل المثال، سعت عبر خط الأنابيب شرق-غرب إلى تقليل اعتمادها على هرمز من خلال نقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. غير أن هذه الاستراتيجية لا تُنهي الاعتماد على الممرات البحرية، إذ تبقى الصادرات المتجهة شرقًا بحاجة إلى المرور عبر باب المندب.
ومن هنا تتشكل “معادلة الاختناق المزدوج”، حيث يصبح أي ضغط على أحد المضيقين عاملًا يعيد توزيع المخاطر على الآخر، بدلًا من إلغائها.
وبالتالي، فإن أمن الطاقة والتجارة العالمية لا يرتبط بممر واحد، بل بتوازن مترابط بين هذين الشريانين البحريين.
حدود الردع البحري: لماذا لا يكفي البحر وحده؟
في مواجهة تصاعد المخاطر، عززت القوى الدولية حضورها البحري عبر التحالفات والدوريات العسكرية في البحر الأحمر وخليج عدن.
ورغم أن هذه المقاربة وفرت قدرًا من الاحتواء التكتيكي، إلا أنها كشفت عن حدودها البنيوية؛ فالردع البحري وحده لا يعالج جذور الأزمة.
فالتهديدات البحرية لا تنشأ من البحر نفسه، بل من هشاشة السلطة على اليابسة. وعندما تتآكل الدولة أو تتفكك مؤسساتها، تتحول السواحل إلى فضاءات رخوة تستغلها القوى غير النظامية، ويتحول البحر إلى امتداد مباشر لغياب السيادة.
ومن ثم، فإن الأساطيل قد تؤخر التهديد، لكنها لا تستطيع وحدها إزالة أسبابه البنيوية.
إعادة بناء السيادة البحرية: اليمن وعدن كنقطة ارتكاز
هنا تبرز اليمن باعتبارها الحلقة المركزية في معادلة أمن البحر الأحمر.
فمنذ انهيار الدولة اليمنية بعد انقلاب 2014، تحولت أجزاء واسعة من السواحل إلى مساحات استراتيجية هشة، ما سمح بتحويل باب المندب من ممر عالمي إلى أداة ضغط إقليمي.
ومن هذا الواقع ينبثق مفهوم “إعادة بناء السيادة البحرية”، الذي يفترض أن الأمن البحري المستدام لا يُفرض من الخارج، بل يتولد من الداخل — عبر استعادة الدولة لوظيفتها السيادية، وإعادة بناء مؤسساتها، وبسط سلطتها على الموانئ والسواحل.
وفي هذا السياق، تبرز عدن بوصفها النواة الأكثر واقعية لهذه العملية، بفضل موقعها الاستراتيجي، وإرثها الإداري، وبنيتها البحرية والاقتصادية، ما يجعلها قاعدة محتملة لإعادة بناء الدولة واستعادة دورها السيادي.
البحر يبدأ من البر: اليمن من ساحة أزمة إلى ركيزة استقرار
في المحصلة، لم تعد هرمز وباب المندب مجرد ممرات بحرية، بل تحولا إلى عقدتين مركزيتين في معادلة القوة العالمية. غير أن استقرار هذه المعادلة لا يتحقق عبر السفن وحدها، بل عبر استعادة الدولة في النقاط البرية التي تتحكم بهذه الممرات.
ومن هنا، فإن اليمن لم تعد مجرد ساحة أزمة إقليمية، بل تمثل ركيزة بنيوية لاستقرار البحر الأحمر وأمن التجارة الدولية.
فحين تغيب الدولة، يتحول البحر إلى مساحة فوضى… وحين تعود، يتحول إلى مجال استقرار.
إن الأمن البحري المستدام لا يقوم فقط على إدارة الاختناق البحري، بل على استعادة السيادة البرية التي تمنع إعادة إنتاج الفوضى. فالممرات البحرية لا تُؤمَّن بالسفن فقط، بل تُؤمَّن أولًا بالدول التي تطل عليها.
ومن هذا المنظور، فإن استعادة الدولة اليمنية ليست فقط ضرورة وطنية، بل مصلحة إقليمية ودولية، لأنها تمثل الأساس الحقيقي لإعادة ضبط أمن البحر الأحمر ضمن معادلات القرن الحادي والعشرين.
