
عديل عقلان
أشتاق إلى رائحة الدخان.
أشتاق لخبز أمي.
نعم..
هي تلك الرائحة التي أعرفها جيداً،
أعرفها عندما تكونت جنينا في بطنها.
رائحة أمي وهي تقف وسط المكان تعانق الدخان.
تنهمك في إعداد وجبة واحدة.
كنت أجلس قرب منها،
أراقبها كيف كانت تشعل النار، في عود كبريت
وكيف يتصاعد الدخان من خلال أزقة الجدران.
أو ما يسمى (سُجارة) تأتي من فوق كالمنور
يتصاعد الدخان من خلالها.
ولكن كان صدري أسبق من الأزقة.
وبرغم أنه كان يتصاعد بكثافة
عندما يكون الحطب أخضر
مما كانت أمي تندفع بي إلى الخارج.
إلا أني كنت أجد في تلك الرائحة والدخان
دفئًا وأمانًا لا يُقاوم.
كل حركة من حركاتها كانت تُغني بموال حنيني. أصابعها وهي تقلب القدور،
وصوتها الرقيق وهي تتلو الأدعية بصوت منخفض، كالنسيم داخل القلب.
صوت الطقطقة العابرة،
وصوت الماء الثائر المنبعث من الإبريق المعدني الأصيل
كأنها هناك سمفونية تُعزف بمهارة بين جدران المطبخ القديم.
تخيلت نفسي وكأني اسير هناك،
نعم أسير هناك، أمشي وتمشي معي كل التفاصيل
حيث تسير في الأزقة الهادئة،
تحيطك الحقول الخضراء والأشجار
يحطيك الطين
عندما ترى المافي الطيني خارج البيت،
دخانه يتصاعد في هدوء،
حاملاً معه عبق الخبز، والفطير الطازج
إنها تلك اللحظات التي تذوب فيها كل الهموم
ويصبح العالم بأسره أكثر دفئًا وأمانًا.
لهذه الدرجة شوقي يحن لجذور الذكريات،
للبساطة، للطين، للعودة التي تخبئها قرى الريف بين الطين الأصيل.
رائحة الدخان...
في الريف ليست مجرد عبير عابر
بل هي حكاية مكتوبة في ذرات الهواء.
حكاية العائلة والأصدقاء والتجمعات حول النار في الليالي الباردة.
والحكايات التي تروى على ضوء القمر والنجوم.
هي تفاصيل الحياة
التي نشتاق إليها كلما ابتعدنا عن الريف وزحفت مشاغل المدينة وأضواؤها الساطعة على أيامنا وليالينا.
