19 يناير ذكرى الاحتلال المشئوم
كانت عدن على الدوام أحد مواقع الجذب الإستراتيجية ومطمعاً دائماً للدول الكبرى، يكمن مفتاح فهمها في تلك الأهمية الإستراتيجية ، فكانت بالنسبة لبريطانيا نقطة تجمع، وبرج مراقبة، ومدخلاً لشرق أفريقيا وقاعدة إستراتيجية تحمي البحر الأحمر، وطريقاً للملاحة والتجارة الدولية والنفط .قال عنها الروائي الفرنسي بول نيزان : «عدن نقطة تقاطع لعدة طرق بحرية محاطة بالمنارات والجزر الصغيرة المزروعة بالمدافع. وهي إحدى الحلقات في السلسلة الطويلة التي تحافظ على أرباح تجار لندن في كافة أنحاء العالم، وهي قطعة شقيقة لجبل طارق».وقال عنها المستشرق البريطاني .. هارولد جيكوبر : «إنها القلعة التي تلفحها الشمس والواقعة عند فوهة البركان والتي تتحكم في البحر الأحمر والتي أصبحت درة التاج البريطاني».أما السير روبرت جوانت حاكم بومباي فقد كتب في فبراير 1838م بصراحة يقول : «إن أهمية عدن لا تقدر بثمن فيمكن استخدامها كمخزن ومحطة تموين، وهي مركز التقاء ومرفأ ممتاز للسفن التي تعبر طريق البحر الأحمر والخليج والساحل المصري الغني بمنتجاته. وعندما تصبح ملكاً لنا فإنها كجبل طارق تتميز بحصانتها ومنحتها من البر والبحر على السواء».كان تخطيط بريطانيا وشركة الهند الشرقية يكمن في احتكار التجارة في البحر الأحمر وإقامة منشأة دائمة في ذلك المكان لزيادة التعامل مع مصر، وتحسين واحدة من الدفاعات المكملة للهند، وهكذا كانت قضية «الأمن» على مر العصور بين القوى الاستعمارية القديمة المتنافسة ذريعة معروفة بغية النفوذ والتوسع والعدوان.وقد كانت شركة الهند الشرقية - كعادتها - عندما تريد أن تحتل بلداً تقوم بشن الاتهامات والأكاذيب وتلفيق المبررات لاحتلال ذلك البلد لأنها كانت تمثل عمق السياسة البريطانية ومصالحها الإستراتيجية في المنطقة العربية باسم التجارة.ولذلك اتخذت بريطانيا من السفينة التجارية المسماة بـ «داريا دولت» التي تركت بلا مرساة في ميناء صيرة، ونزل بحارتها من على متنها، ذريعة واهية بأن السفينة قد تعرضت حمولتها التجارية للنهب من قبل المواطنين، ثم أغرقوها في البحر لكي تكون عرضة للتلف والخراب. والحقيقة أن المزاعم الكاذبة لم تكن إلا وسيلة للضغط على السلطان العبدلي فارضين عليه تعويضات خيالية للسفينة المحطمة ومنهوباتها من البضائع المختلفة، لا يمكنه تسديدها إلا بالتقسيط. وعلى الرغم من هذه الضغوط والاتهامات الملفقة عليه وعلى مواطنيه مقابل التنازل عن حيازة جزيرة عدن للانجليز، إلا أن سلطان لحج (السلطان أحمد بن عبدالكريم آنذاك) قد رفض الاستسلام للطلب الانجليزي، وقاوم فكرة احتلالهم لمدينة عدن بكل ما أوتي من قوة وبأس شديد.وكانت التوجيهات التي تلقاها «هينز» الضابط البحري البريطاني وقائد الحملة العسكرية في احتلال عدن بالقوة في 19 يناير 1839م، تقول : «ينبغي اعتبار أهمية عدن الحربية أعظم من تقدمها التجاري، ويجب أن يكون هذا هو الهدف الأول من احتلالها». وبعد نشوب معارك ضارية غير متكافئة في العدة والعتاد بين قوات المقاومة الشعبية المساندة لقوة السلطان الباسلة وبين قوات الغزاة الانجليز سقطت عدن في يد الكابتن «هينز» وأصبح أول مقيم سياسي بريطاني فيها.ومنذ أن وطأت القوات البريطانية أرض عدن وهي تواجه هجمات المواطنين وخلال السنوات الأولى واجهت ثلاث محاولات رئيسية من لحج، فشلت أمام الأسلحة البريطانية التي ضربت الثوار من البواخر الراسية في الميناء .. وتكشف المصادر البريطانية الدور البارز الذي لعبه اليهود في عدن لمساعدة الاحتلال البريطاني، وتذكر هذه المصادر كيف استعان «هينز» باليهود واستخدمهم، وكانت تبليغاتهم أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى القضاء على الثوار وإحكام سيطرتهم على عدن.ولكن بعد انقضاء 129 عاماً من الحكم الاستعماري الانجليزي انتفض شعبنا اليمني في الجنوب بكل قواه الوطنية والسياسية في (14 أكتوبر 63م) وضحى بقوافل من أبنائه الأبرار في سبيل انتزاع حريته من نير الاستعمار البريطاني، حتى استقلاله الوطني المنجز في 30 نوفمبر 67م، وخرجت قوات الاحتلال من أرضنا تجر وراءها أذيال الخيبة والهزيمة.
