صباح الخير
زكي نعمان الذبحاني :الأطفال بهجة الحياة وسلوتها وأغلى ما يملكه الآباء والأمهات على هذه الأرض، ونحن بدورنا مطالبون ببذل كل ما يمكن لنا بذله من جهدٍ لأجلهم ولنمائهم ونشأتهم أقوياء معافين، وألا نركن إلى ما يهدد ويبدد الجهود التي تبذل لحمايتهم من الأمراض وصرف خطرها عنهم.والحصبة أحد الأمراض الفيروسية المعدية الأكثر فتكاً وإماتة بين الأمراض التي يؤمن التطعيم وقاية منها. فما تخلفه من تهديد لصحة وسلامة فلذات الأكباد جعل منها مرشحةً للاستهداف بالاستئصال بعد شلل الأطفال ، ومن هذه التهديدات فقد حاسة السمع أو البصر أو الوفاة في أحوال معينة لا قدر الله .ولا يأتي تنفيذ حملات تطعيم ضد هذا الداء من فراغ، إنما الحاجة فرضت وتفرض تعاطياً مسؤولاً لإيقاف هذا المرض البشع ووضع حد لانتشاره للذود عن أطفالنا من مكامن الخطورة التي تسفر عن مضاعفاته. وبذلك يجري تنفيذ حملة التحصين التكميلية نحو القضاء على مرض الحصبة في الفترة من (24 - 29 يناير 2009م) شاملةً كلاً من محافظات(الحديدة- حضرموت الوادي والصحراء- حضرموت الساحل- المهرة- صعدة)، ومستهدفة ً تحصين جميع الأطفال من عمر (9 أشهر - 5 أعوام) بما فيهم المرضى ومن يعانون من سوء تغذية ؛ وبصرف النظر عن التاريخ التطعيمي السابق للطفل. إذ يظل لزاماً أخذهم جرعة إضافية ُتزيد وتقوي مناعتهم ضد المرض أكثر وأكثر.ومع أن الوقاية وتدابيرها تحد وتمنع الإصابة بالكثير من الأمراض، لكنها بالنسبة لمرض الحصبة لا تكتمل إلا بالتحصين. فهو السبيل الأضمن والأمثل لحماية الجسم من الإصابة برفعه درجة التأهب والجاهزية الدفاعية القصوى الممكنة من صد المرض ودحره عن الدخول والانتشار في الجسم، والذي نشهد له هذه الأيام صداً واسعاً لما له من أهمية لا يمكن على أية حال التهاون بها أو إغفالها. وقد يتساءل البعض .. ما سر البدء بتحصين الأطفال ضد داء الحصبة في الشهر التاسع من العمر فما فوق؟ والإجابة بكل بساطة.. أن العالم أجمع على هذا و أقر، فقد حرصت منظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونيسيف على تثبيت هذا العمر لبالغيه من الأطفال للبدء بتطعيمهم ضد الحصبة. حيث من الواضح جداً أن الإصابات التي يتم تسجيلها قبل الشهر التاسع قليلة جداً ونادرة ، ومن ثم لا حاجة لمن يقل عمره عن تسعة أشهر لهذا اللقاح .ومما يبرر الأمر أيضاً أن السواد الأعظم من الأمهات على الأرجح ُأصبن بالمرض مسبقاً ومن ثم اكتسبن مناعة منه تنتقل إلى أطفالهن منذ ولادتهم وتستمر طيلة الستة الأشهر الأولى عبر الرضاعة الطبيعية ، وبعدها تزول تدريجياً إلى أن تنتهي تماماً قبل انقضاء العام الأول من أعمارهم وبالتحديد عند بلوغهم الشهر التاسع من العمر. وبذلك تصير للأطفال بعد الشهر التاسع قابلية للإصابة بالحصبة، وتستمر القابلية هذه بوتيرة مرتفعة حتى نهاية سن الخامسة عشرة ؛ فيما تظل خطورة المرض أعلى لدى من تقل أعمارهم عن خمس سنوات.من هذا كله تعتبر الفئة العمرية من (9 أشهر- 5 أعوام) الأكثر عرضة للإصابة بالحصبة، ولا يعني أن الراشدين لا يصابون، فمن غير المستبعد إصابة شخص في العشرين أو في الخامسة والعشرين أو في الثلاثين من العمر، إلا أنها تبقى حالات نادرة، والنادر لا حكم له.ومن يصاب بالحصبة لا تتكرر الإصابة لديه مرة أخرى، إنما الإصابة مرة واحدة في العمر وحسب، ليكتسب الجسم على إثرها الوقاية من المرض مدى الحياة. ومرد ذلك إلى تعرف الجهاز المناعي للجسم على فيروس الحصبة، فإذا ما ُهوجم مرة أخرى تصدت له دفعاته وقضت عليه. وهذا لا يمنع من تحصينهم ضد الحصبة الذي يؤكد بدوره ويقوي هذه المناعة التي تلقوها بفعل التعرض لإصابة مسبقة بالمرض والشفاء منها .وليس لنا أن ننتظر إصابة الأطفال الآخرين بالمرض ليكتسبوا بعدها مناعة، إنما لا بد من تحصين الجميع، لأن داء الحصبة حقيقة ً من الأمراض الفيروسية الخطيرة والقاتلة، وله مضاعفات شديدة يمكن أن تؤدي إلى التهاب الدماغ وعلى إثره قد يفقد الطفل المريض بصره، أو ربما يقود هذا الالتهاب إلى إحداث ضررٍ في الدماغ وتخلفٍ عقلي أو إعاقة حركية.. هذا فقط إذا أصاب الجهاز المركزي والدماغ، وعندما يمتد إلى الأذن يؤدي إلى التهاب الأذن الوسطى المفضي إلى فقد حاسة السمع.ومن البديهي تعرض الجهاز التنفسي للالتهاب على نحوٍ خطير نتيجة لمضاعفات الحصبة، وقد يسوء الأمر مفضياًً إلى التهاب رئوي حاد أو ما يُسمى بذات الرئة التي تسبب بدورها فشلاً رئوياً ومن ثم الوفاة.كذلك يمكن للحصبة أن تتسبب بالتهاب الجهاز الهضمي والإسهال الشديد والجفاف، وغالباً ما تقود هذه الإصابة إلى الوفاة.إذن مرض الحصبة من الأمراض الخطيرة جداً التي يجب فعلاً التحصين ضدها ، كون مضاعفاته خطيرة للغاية. وهو قابل للشفاء إذا ما تمكنت دفاعات الجسم من السيطرة على الموقف والقضاء على الفيروس الغازي المسبب له، لكنه مميت في بعض الأحوال عندما يعجز الجسم عن دحره وصد عنفوانه و بطشه. ومع الأسف لا يوجد علاج على الإطلاق يمكن اللجوء إليه لشفاء المصابين به، ليس في اليمن وحسب، بل وفي العالم بأسره.. فقط تحصين فلذات الأكباد يصرف عنهم الإصابة بمرض الحصبة تماماً ويجنبهم مخاطره المهلكة.
