باكراً يرحل الطيبون والعظماء من هذه الدنيا مخلفين وراءهم أحزاناً غائرة في القلوب، وبرحيلهم يؤسسون لحياة أخرى أبدية في قلوب الآخرين، هؤلاء لايطمرهم النسيان، فذاكرة البسطاء تؤرشف لهم لقطات كثيرة من حكاياتهم، لاينساها كل من عايشهم أو احتك بهم أو تعرف عليهم، يذكرهم العامة والبسطاء بالخير ويدعون لهم بالرحمة والمغفرة. لقد تفاجأت كما تفاجأ الجميع بخبر وفاة العزيز علينا د. علي محمد الزبيدي يوم 2010/1/13م وهذه هي مشيئة الرحمن سبحانه وتعالى الذي اختاره ليكون بجواره سبحانه، ولا نستطيع عمل أي شيء تجاه هذا المكتوب والقدر المحتوم الذي هو قدر الجميع .. إلا أن نقول (إنا لله وإنا إليه راجعون) راجين من الله عز وجل أن يتقبله قبول الأبرار ، ويغفر له ذنوبه ويسكنه فسيح الجنات .. آمين. لم يكن الدكتور علي شخصاً عادياً بل كان أخاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، بفقده خسرنا جميعاً وخسر وطنه وأهله ومحبوه طبيباً ماهراً صادقاً في تخصصه تتقمصه حالة من المثالية تصل به إلى حد الزهد فترى ذلك واضحاً في كل شيء من تفاصيل حياته المتواضعة. بدأت معرفتي بالمغفور له عندما كنت طالباً في كلية الطب، وكان رحمة الله عليه له موقف تجاه إنشاء كلية الطب/ عدن وطلابها بشكل عام في بداية تعاملنا معه كطلاب وهو حديث التخرج.. ولكن في الأخير أدرك سياسة إنشاء كلية الطب ونجاح سيرتها برفد البلاد بالأطباء وبأعداد معقولة ليمننة الوظيفة الطبية .. إلا أن هذه الجزئية لم تسبب لي شخصياً وكذا بقية الزملاء أي حساسية تجاهه.اعترف هنا بأنه قد ساعدني في تعلم الجراحة وأنا في السنوات الأخيرة من الدراسة من خلال النوبات وأحسست من خلال تعاملي معه أنه رجل بسيط جداً وذكي في تعامله مع الآخرين إلى جانب أنه مخلص في عمله ومن خلال هذه الصفات يفرض عليك احترامه وتقديره وبالمقابل فهو يعاملك بالمثل. نمت العلاقة الأخوية الوطيدة بيننا على أساس الاحترام المتبادل والاستماع إلى آرائه حتى وإن كانت قاسية بعض الأحيان لكنها تشعرك بأنه صادق المشاعر ولايحمل ضد أي شخص أي ضغينة أو كراهية، لأن شخصيته - رحمه الله - بشكل عام لاتعرف الكراهية أو التفرقة والتمييز بين أصدقائه ، كان يتمتع بصراحة تامة ويدلي بآرائه بكل شجاعة ولايخاف لومة لائم. كان لديه أسلوب جميل وحضاري راق في التعامل مع المواقف غير العادية ( الصعبة ) وقد تعلمت منه الكثير والكثير في معالجة هذه المواقف. عاش هذا الرجل الصادق ضد كل الظروف القاسية أكانت اجتماعية أسرية أو سياسية وصمد أمام كل مراحل الحياة التي عاصرها، ووقف ضدها بكل شموخ وترفع دون أن يمد يده بطلب أي مساعدة تنقله إلى وضع آخر وأفضل ( وكان بإمكانه أن يفعل ذلك مثل الآخرين الوصوليين) إلا إنه أبى وارتضى أن يعيش على نفس المنوال راضياً بكل قناعة، وإيمانه راسخ بما قسمه الله له وأعطاه، وكان عفيف النفس حتى يوم انتقال روحه الطاهرة إلى بارئها. وخلال الأعوام الثلاثة الأخيرة ربطتني به علاقة وطيدة وعلاقة عمل، وتعلمت منه الكثير: التحلي بالصبر والتعامل مع الآخرين بحنكة وترو... وكان يقابلك بابتسامته العريضة التي لاتغيب عنه ولاتفارقه، وكان مثال الالتزام الوظيفي ويتحلى بأخلاق عالية بين زملائه من الأطباء والعاملين بالمستشفى وله بصمات كثيرة وكبيرة تجاه مرضاه الذين كان يقوم بخدمتهم على أكمل وجه دون تمييز، وكان دائماً يسعى لتخفيف معاناتهم من خلال تسهيل معاملتهم لكي يحصلوا على الخدمات الطبية. تميز الدكتور علي بروح التضحية والدفاع عن الآخرين والبسطاء والمستضعفين وكان كثير المحاولة في السعي لحل مشاكل الناس، ورجلاً وطنياً بامتياز. كان هذا مسلكه ليس مع زملائه فحسب بل مع كل من عرفه، وهم يذكرون فيه هذه المحاسن الجميلة وروحه الطيبة فقد كان رجلاً متعاوناً لايعرف الكبر والغرور وبسيطاً مع الصغير والكبير صاحب أخلاق دمثة. رحمة الله على اصدق إنسان عرفته في حياتي .. فقدانه ترك فجوة كبيرة وفراغاً لدى الإدارة ... ولا نستطيع تعويضه ولا نستطيع أن ننساه . إلا أننا في الأخير نترحم على أخينا وصديقنا العزيز ونسأل الله أن يغفر له كل ذنب وأن يسكنه الجنات وسيظل في قلوبنا نموذجاً حياً لأنه إنسان مثابر ومكافح وراض بقسمته، وليكون أسمه خالداً بين زملائه ومرضاه فقد سميت قاعة الاجتماعات باسمه مكافأة له ولدوره الذي لعبه في هذا الصرح العلمي (مستشفى الجمهورية ). [c1]* رئيس مجلس إدارة هيئة مستشفى الجمهورية النموذجي عدن المدير العام [/c]
|
تقارير
رحيله خسارة للوطن
أخبار متعلقة
