صباح الخير
مما لا جدال فيه أن الديمقراطية تمثل وسيلة حضارية للارتقاء بالوعي العام في أي مجتمع من المجتمعات لما تحمله من الخصائص الايجابية والمفاهيم الرفيعة التي تذوب فيها التناقضات.. والصراعات السياسية لتحل بديلاً عنهما أوجه التنافس الشريف والسلمي في البرنامج والرؤى والأفكار والاجتهادات من أجل الوصول إلى الأفضل والأجدى والأنفع للقاعدة العريضة من المواطنين وهو ما يعني أن الديمقراطية وجدت أصلاً لإحلال مرتكزات حكم الشعب عن طريق تمكينه من ممارسة حقه في اختيار حكامه وممثليه الذين ينوبون عنه في السلطات المركزية والمحلية وفق إرادته الحرة ودون إملاء أو وصاية من احد.ولأن الشعب هو صاحب المصلحة الحقيقية في الديمقراطية وليس من حق أي تنظيم سياسي أو تكتل حزبي أن ينصب نفسه أو يدعي تمثيله للناس فيما هو لم يحصل في صناديق الاقتراع سوى على نسبة ضئيلة من الأصوات لا تؤهله لتقمص مثل ذلك الدور وطرح الأملاءات والاشتراطات والسعي إلى فرضهما على الآخرين إما عبر أساليب الابتزاز أو من خلال اللجوء إلى المساومة ومحاولة انتزاع بعض المكاسب السياسية والحزبية بطرق ملتوية وغير ديمقراطية وخارج نطاق إرادة الجماهير التي تجسدها في صناديق الاقتراع.إن من يقبل هذه الممارسات إنما يتخذ موقفاً معادياً لنهج الديمقراطية ويعمل على إعادة إنتاج عهود الشمولية وإفراغ الديمقراطية من محتواها ومقاصدها.وبكل تأكيد أن من يعمدون إلى سلوكيات كهذه لا يدركون حقيقة إن الديمقراطية هي حق أصيل للشعب وليست للأحزاب وكيف يجب أن نتعلمها ونفهمها وهي إحدى قنوات الشعب ولعل ما يقودنا إلى التساؤل عن مدى إلمام القيادات الحزبية في بلادنا بالثقافة الديمقراطية ودرجة وعيها بمفاهيم النهج الديمقراطي خاصة في ضوء تلك المواقف الصادرة عن بعض الأحزاب والتي لا تنم سوى عن جهل واضح وعدم علمهم بمعنى الديمقراطية ولا بقواعد الديمقراطية واللعبة السياسية للتعددية لدى من يتحكمون بمصادر القرار في تلك الأحزاب وبصرف النظر عما إذا كان ذلك الخلل ناتجاً عن استعصاء عقليات أولئك على التعلم من مدرسة الديمقراطية أو بفعل عقدة الاستيلاء في دواخل هؤلاء فإنهم يقاومون كل دعوة تطالبهم بالتخلي عن تلك النرجسية المسيطرة عليهم وتصحيح مفاهيمهم واستيعاب دروس الديمقراطية والانتظام في صفها بدلاً عن التمترس وراء بعض المضامين والشعارات التي تتصادم بالمطلق مع جوهر الديمقراطية وصارت شيئاً من الماضي.ومما لاشك فيه إن هؤلاء ولكي يمارسوا الديمقراطية ويفهموا كيف يتعلمونها سلوكاً ومعرفة لابد لهم أولاً: من استيعاب ثقافتها ومنهجيتها وفلسفتها والامتثال أيضاً لشروطها ومعاييرها وإدراك أن الديمقراطية متلازمة مع المسؤولية بل إنهما توأمان متماثلان يستحيل الفصل بينهما ولا يمكن لأي منهما أن يصمد في غياب الآخر وكما أن الديمقراطية تنمو في ظل الوعي فإن الوعي لا يتطور إلا بكيفية مفهومها وهناك من يتصور أنَّ الانقلاب على هذه المعادلة من خلال ممارسة الديمقراطية بفكر شمولي اعتقاداً منه بأن الرمد أهون عليه من العمى مع أن الحقيقة انه بذلك المسلك يصبح أعمى البصر والبصيرة فلا يرى النور في أي ساعة من ساعات النهار.
