في حين ظلت المعركة الحقيقية التي تخوضها الشرعية بمساندة الأشقاء في دول التحالف العربي لدعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية هي استعادة مؤسسات الدولة، والتي بدأت عبر رئيسٍ شرعي مطارد تلاحقه فلول الميليشيات الانقلابية، ووجد لدى الأشقاء في مملكة الحزم والعزم العونَ والنصرةَ والسندَ وسرعة الاستجابة في تلبية النداء، وصولًا إلى تحرير 70 % من الأراضي اليمنية حتى هذه اللحظة، مع وجود حكومة الزنداني للعمل من الأرض للقيام بواجباتها تجاه المواطنين ومسؤولياتها في إسقاط ما تبقى من الانقلاب الذي لا يزال يحتل 30 % من الأراضي اليمنية، ويتخذ منها منصاتٍ لإطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه المناطق المحررة واستهداف ممرات الملاحة الدولية، ويضع المواطنين اليمنيين في مناطق الاحتلال رهائنَ يبتز بهم العالمَ والحكومةَ الشرعية من أجل تنفيذ الأجندة الإيرانية وخوض المعارك باسم اليمن نيابةً عنها.
لكن النصر الحقيقي على هذه الميليشيات تحقق بالفعل عبر هذه الحكومة التي تواصل العمل بين المواطنين في تقديم الخدمات، والمضي في استكمال استعادة المؤسسات التي ما كان لها أن تتحقق لولا هذه الحكومة القريبة من الناس، الملتزمة بالقيام بمسؤولياتها، والتي تعمل على انتظام صرف الرواتب وتحسين الخدمات.
وحتى مع حالة التصعيد من قبل الميليشيات الحوثية، كانت الحكومة حاضرة وجاهزة لمواجهة التصعيد، فلم تتوارَ أو تختفِ أو تخذل الشعب كما كان يحصل، وظهرت على الفور في اجتماع استثنائي يؤكد مسار التحول ومستوى التطور في القيادة من الميدان، وتحمل المسؤولية في أشد اللحظات صعوبة، والجاهزية في خوض المعركة من أجل حماية الشعب، والقدرة على التعامل مع كافة التطورات؛ وهو أمر يقلب موازين القوى وسير اتجاه المعركة وصناعة النصر، ويبعث على الطمأنينة والارتياح في صفوف الشارع الذي لم يعتد على هذا الحضور في مثل هذه الأوقات الصعبة، حيث كان الناس يُتركون وحدهم دون قيادة، ويتساءلون ولا يجدون من يجيبهم.
وبات اليوم الوضع مختلفًا بعد أن تحقق النصر فعلًا من خلال استعادة دولة اليمنيين التي تعمل من أجلهم في الميدان، وتخوض غمار البناء والتنمية، وتواصل عملية الإصلاحات، والجاهزة في الوقت نفسه لخوض المعركة العسكرية متى ما حانت ساعة الصفر، وكل شيء صار يشي بأن الوضع تغير.
وبالعودة إلى الأيام الماضية من عمر الحكومة الحالية الحافلة بالكثير من الإنجازات، والتي تسلّم الموظفون فيها للمرة الأولى الرواتبَ بزيادة 20 % التي أقرتها الحكومة، قال وزير الخدمة المدنية والتأمينات المتسم بالكفاءة في حواره مع صحيفة عكاظ: إن تلك الزيادة لا تُعد كافية أمام رؤية الحكومة، لكنها يمكن أن تشكل بداية مسار التحول نحو التحسن وتحسين أوضاع الموظفين ومواصلة عملية الإصلاحات التي تقودها الحكومة من الداخل. كما أنها المرة الأولى التي نسمع فيها حديثًا لمسؤول حكومي بتلك الطريقة من الإحساس العالي والشعور النبيل بعظمة المسؤولية، مثلما أظهر حديث وزير الخدمة المدنية والتأمينات الحالي الأستاذ سالم ثابت العولقي عن فئة النازحين التي كان الاقتراب منها فيما مضى في حكم الممنوع، وظلت معاناتهم طي الكتمان وخارج نطاق مسؤوليات الحكومات السابقة، باستثناء ما بدأته حكومة الدكتور أحمد عبيد بن دغر في اعتماد صرف رواتبهم، لتدخل بعدها مرحلة النسيان والتجاهل الحكومي المتلاحق. وشكّل معها وعيُ وزير الخدمة بكل تلك المشاعر الوطنية الصادقة والقدر العالي من الإنصاف والإحساس ما يعكس نضج حكومة تؤمن بمسؤولياتها عن كل الناس، وحرصت على الوصول إلى الفئات المستضعفة والأشد احتياجًا، بعد أن ظلت قضيتهم لسنوات طي الإهمال والتناسي والتعمد في إلحاق المعاناة والضرر، وبقيت أصواتهم تذهب أدراج الرياح حيث لا أحد من مسؤولي الحكومات السابقة يريد أن يسمعها، ولم يكن هناك من يود أن يقف أمام تلك المعاناة الإنسانية أو يحرص على إيجاد الحلول لها.
لكن الواقع اليوم تغيّر بالفعل؛ ففي ظل حكومةٍ يخاطب رئيسها لأول مرة المواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات الحوثية، وأظهر حديثه لصحيفة عكاظ وعيا مطلقا بأبعاد المشكلة الوطنية والإنسانية التي يعانيها المواطنون في تلك المناطق التي تتخذ الميليشيات من سكانها رهائن في مدنٍ حولتها إلى سجون كبيرة، وأراضٍ إلى منصات لإطلاق الصواريخ، واتخاذ قرار الحرب الذي لا تتخذه سوى الدول فقط هي صاحبة الحق المطلق في قرار الحرب والسلم وفقًا لتقييم دوافع الخطر، وليست الميليشيات التي عملت على استدعاء الحروب ووضع البلد في دائرة المخاطر من أجل تلقي الضربات بالنيابة عن إيران، وإلحاق المزيد من الدمار في المقدرات في معركة ليست معركة اليمنيين، بل تخوضها الميليشيات من أجل حماية المصالح والمشروع الإيراني.
حقًا، نحن أمام تحولات كبيرة تقودها حكومة واعية وأكثر مسؤولية والتزامًا في استعادة اليمن كاملًا ومؤسساتِه، وإسقاط الانقلاب، والمضي في تحقيق الإصلاحات وتحسين الخدمات رغم الحرب والدمار الذي تمارسه الميليشيات، باعتبار أن الانتصار تحققه حكومة تعمل في الميدان، وهي هنا من أجل كافة المهام الكبرى التي تقوم بها من أجل حاضر ومستقبل اليمن.
