المرجعية التاريخية ومنها صناعة الحل الشامل والمستدام لليمن والمنطقة
حضرموت ليست مجرد محافظة يمنية أو مساحة جغرافية على خارطة البلاد، بل هي كيان تاريخي وحضاري تشكلت ملامحه عبر قرون طويلة، وأسهم أبناؤه في صناعة أحداث تجاوزت حدود الوطن إلى آفاق العالم الإسلامي. ولهذا، فإن الحديث عن حضرموت لا ينبغي أن يُختزل في ظرف سياسي عابر أو في خلافات آنية، وإنما يجب أن يستند إلى قراءة واعية لتاريخها، واستحضار التجارب التي صنعت شخصيتها السياسية والاجتماعية.
لقد عرفت حضرموت منذ القدم بأنها أرض الحضارة والعلم والتجارة، ومنها انطلقت هجرات حضرمية واسعة إلى شرق آسيا وشرق إفريقيا وشمالها، حملت معها الإسلام بأخلاق التجار والدعاة، لا بحد السيف. فكان الصدق والأمانة وحسن المعاملة أعظم وسائل التأثير، حتى أصبح للحضارم حضور سياسي واقتصادي واجتماعي بارز في كثير من بلدان المهجر، وما يزال أحفادهم يشغلون مواقع قيادية في عدد منها.
ولم يكن هذا الامتداد الحضاري محل اهتمام العرب وحدهم، بل جذب أنظار المستشرقين والباحثين والرحالة الأوروبيين، الذين وثقوا خصوصية حضرموت الدينية والثقافية والاجتماعية، بوصفها نموذجًا فريدًا في الاعتدال والتعايش والانفتاح.
وإلى اليوم، لا تزال حضرموت تحتفظ بمكانتها العلمية، إذ تستقبل طلابًا من جنسيات متعددة لدراسة القرآن الكريم والعلوم الشرعية وفق المنهج الحضرمي المعروف بوسطيته واعتداله، وهو إرث معنوي لا يقل أهمية عن ثرواتها الاقتصادية أو موقعها الجغرافي.
ومن يقرأ التاريخ السياسي لحضرموت يدرك أن فكرة توحيد الكلمة ليست وليدة اللحظة، بل هي مشروع قديم ومتجدد. فقد شهد عام 1927 انعقاد مؤتمر الإصلاح الحضرمي الأول في المكلا والشحر، بمشاركة السلطنتين القعيطية والكثيرية، بهدف توحيد المواقف، وتنظيم العلاقة بين السلطنتين، وترسيخ الأمن والاستقرار داخل حضرموت. ثم جاء مؤتمر الإصلاح الحضرمي الثاني في سنغافورة عام 1928 ليؤكد أن أبناء المهجر كانوا شركاء في رسم مستقبل وطنهم، وأن القرار الحضرمي لم يكن يومًا حكرًا على الداخل وحده.
ومنذ ذلك الحين، توالت المبادرات الرامية إلى توحيد الصف الحضرمي في مختلف المراحل السياسية، سواء في عهد السلطنات، أو خلال مرحلة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، أو بعد إعادة تحقيق الوحدة اليمنية. كما برزت مطالبات متكررة بتمكين السلطة المحلية بنسبة من عوائد النفط فيها وتمكين أبناء حضرموت من إدارة شؤون محافظتهم، وذلك للاستفادة العادلة من مواردها وثرواتها.
وفي السنوات الأخيرة، مثلت الدعوة إلى عقد مؤتمر حضرموت الجامع محطة مهمة في هذا المسار، إذ جمعت مختلف المكونات السياسية والاجتماعية والقبلية والثقافية، إضافة إلى ممثلي المهجر، وأثمرت وثيقة جامعة تعبر عن رؤية حضرمية مشتركة لمستقبل المحافظة. وتمثل هذه الوثيقة، في تقدير كثير من المهتمين بالشأن الحضرمي، إحدى أهم المرجعيات السياسية والاجتماعية التي يمكن البناء عليها في أي حوار أو مشروع مستقبلي.
واليوم، ومع ما تشهده الساحة اليمنية من تحولات سياسية، تتجدد الدعوات إلى توحيد الكلمة الحضرمية وتعزيز حضورها في أي تسوية سياسية قادمة. غير أن نجاح هذه الدعوات يظل مرهونًا بقدرتها على تجاوز الحسابات الضيقة، والانطلاق من مرجعيات جامعة، بعيدًا عن الشخصنة أو تغليب مصالح الأفراد والمكونات على المصلحة العامة.
إن قوة حضرموت لم تكن يومًا في وفرة مواردها فحسب، بل في قدرتها على إنتاج التوافق، وصناعة الاعتدال، والمحافظة على نسيجها الاجتماعي. ولذلك فإن أي مشروع سياسي لا يستند إلى الشراكة الحقيقية بين جميع أبنائها، ولا يحترم الإرث التاريخي الذي صنعته أجيال متعاقبة، سيظل مشروعًا ناقصًا، مهما كانت الشعارات التي يرفعها.
السؤال الذي يطرح نفسه هل القيادة الحالية تمتلك القدرة في تحقيق ذلك التوافق وعندها الكفاءة للحفاظ على مكتسبات المحافظة التي تحققت من قوات النخبة الحضرمية و نسبة حضرموت من عوائد النفط الخام فيها!
إن المرحلة الراهنة تفرض على النخب الحضرمية، السياسية والاجتماعية والثقافية، أن تتعامل مع المستقبل بعقل الدولة لا بعقل الجماعة، وأن تجعل من الوثائق والمرجعيات الوطنية، وفي مقدمتها وثيقة مؤتمر حضرموت الجامع، أساسًا للحوار والتوافق، لا مجرد محطة تاريخية تُستحضر عند الحاجة.
فحضرموت، بتاريخها وموقعها وثرواتها ورصيدها الحضاري، تستحق أن تكون شريكًا فاعلًا في صناعة مستقبل اليمن، وأن يكون قرارها نابعًا من إرادة أبنائها، في إطار التوافق والشراكة واحترام التنوع. أما الرهان على الانقسام أو إقصاء الآخرين فلن ينتج إلا مزيدًا من الضعف وإهدار الفرص.
لقد أثبت التاريخ أن حضرموت كانت دائمًا أقوى عندما توحدت كلمتها، وأضعف عندما تفرقت مواقفها. وهذه الحقيقة تبقى، اليوم كما بالأمس، الدرس الأهم الذي ينبغي استحضاره.
