لا يمكن قراءة إعلان الرياض عن تشكيل “تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات” بمشاركة 14 دولة مجرد خطوة بروتوكولية لتعزيز الأمن البحري، بل هو تحول استراتيجي لافت في هندسة الأمن الإقليمي للممر المائي الأكثر خطورة وأهمية في التجارة العالمية (البحر الأحمر، باب المندب، وخليج عدن).
تفكيك القراءات الممتدة “بين السطور” لهذا الإعلان يكشف عن عدة رسائل ودلالات محورية:
1. الاستغناء الضمني عن المظلة الغربية وتوطين الأمن الإقليمي
الرسالة الأبرز تتجلى في الانتقال من الاعتماد التقليدي على التحالفات التي تقودها واشنطن أو القوى الغربية (مثل تحالف “حارس الازدهار”)، إلى مبادرة إقليمية إسلامية-عربية تقودها السعودية بنفسها، وتستضيف مقرها ومركز عملياتها الدائم.
تدرك الرياض والدول المشاركة أن التحالفات الدولية السابقة لم تحقق الردع الكافي ولم تحمِ الملاحة بشكل مستدام، وأن الاستعانة بالقوى الكبرى غالباً ما تسحب المنطقة إلى تجاذبات صراع القوى العظمى؛ لذا جاء الخيار بتأسيس إطار أمني ملائم ومستقل تقوده دول المنطقة المتضررة بشكل مباشر.
2. دلالات خريطة التحالف: من حضر ومن غاب
تحمل قائمة الدول الـ14 الموقعة، وكذا الغيابات عنها، إشارات سياسية بالغة الأهمية:
المربع الإقليمي الكبير (مصر، تركيا، باكستان، السعودية): انضمام تركيا ومصر وباكستان إلى جانب دول الخليج (الكويت، قطر، البحرين) يعكس نجاح الرياض في حشد القوى العسكرية والسياسية الكبرى في العالم الإسلامي تحت سقف واحد. هذا التوافق المصري-التركي-السعودي تحديداً يمثل نقطة تحول جيوستراتيجية لتأمين عمق القناة والبحر الأحمر.
الدول المشاطئة وحماية الشواطئ: وجود اليمن، جيبوتي، الصومال والسودان، يمنح التحالف شرعية الجغرافيا والمواقع الحاكمة لمنفذ باب المندب والساحل الأفريقي والآسيوي للممر المائي.
علامات الاستفهام حول الغيابات: رغم مشاركة 43 دولة في اجتماع الرياض، خلت قائمة الـ14 الأولى من دول خليجية مثل الإمارات وسلطنة عمان. هذا التباين يشير إلى اختلاف في المقاربات والحسابات السياسية تجاه أزمة البحر الأحمر، وطبيعة التعامل مع الملفات الممتدة من الخليج إلى باب المندب.
3. “الطابع الدفاعي” لغة دبلوماسية بحسابات دقيقة
التأكيد المكرر في البيان على أن التحالف ذو “طبيعة دفاعية خالصة لا تستهدف أي دولة أو منظمة” صُمم بعناية:
تجنب مواجهة مباشرة مع طهران: الرياض تجنب إعطاء انطباع بأن التحالف موجّه لخلق مواجهة مفتوحة مع إيران أو تغيير قواعد اللعبة الشاملة في المنطقة، مع الابقاء على مسار التهدئة الدبلوماسية قائمة.
سحب المبررات من طالع التوتر: يعرّي هذا الطابع أي هجمات مستقبليّة تستهدف السفن التجارية، محوّلاً أفعال استهداف الملاحة من مجرد “ورقة ضغط سياسي” إلى تهديد مباشر لمصالح 14 دولة إقليمية ودولية مجتمعة.
4. حماية الرؤية الاقتصادية وسلاسل الإمداد
بالنسبة للسعودية، الأمن البحري في البحر الأحمر ليس مجرد قضية عسكرية، بل هو مسألة وجودية لنجاح مشاريع رؤية 2030 (مثل نيوم، والمشاريع السياحية العملاقة على ساحل البحر الأحمر، وتطوير الموانئ اللوجستية). استمرار الاضطراب والتهديد البحري يرفع تكاليف التأمين والشحن ويؤثر على جذب الاستثمارات. وبالتالي فإن قيادة هذا التحالف تعد خطوة حتمية لحماية استثماراتها الاقتصادية المستقبلية بالدرجة الأولى.
الخلاصة
يشير تأسيس هذا التحالف البحري إلى بدء مرحلة جديدة تعتمد فيها القوى الإقليمية الرئيسية على التجميع الذاتي للقوة وتأمين ممرات حيوية بأيدي دول المنطقة، بدلاً من انتظار حلول خارجية أثبتت التجربة محدوديتها. التحالف يضع خريطة أمنية جديدة بالكامل لمرحلة ما بعد توترات البحر الأحمر الحالية.
