

لم تعد أزمة الجيش الإسرائيلي -بعد أكثر من ألف يوم من الحرب- تُقاس بعدد الفِرَق التي دخلت غزة أو لبنان فقط، وإنما بقدرته على الاحتفاظ بجيش واسع يعمل في وقت واحد على حدود متحركة: قطاع غزة، الضفة الغربية، لبنان، سوريا، الأردن، مصر.
وبحسب عدة قراءات، فإن إسرائيل لا توسّع قوتها وهي تستعد لحرب مقبلة، ولكن تفعل ذلك وهي غارقة في حرب مفتوحة، تستنزف الجنود والاحتياط والميزانية والمجتمع.
في 14 أغسطس الجاري، نشر المراسل العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت يوسي يهوشوع تقريرا بعنوان "لمنع الانهيار"، قال فيه إن الجيش الإسرائيلي يدير بهدوء "تغييرا عميقا" في القوة البشرية لمواجهة تعدد الجبهات ونقص 12 ألف جندي.
وقدّم يهوشوع هذا التحول بوصفه نهاية عملية لمفهوم "الجيش الصغير والذكي"، أي الجيش الذي يعتمد على نظام محدود، وتكنولوجيا متقدمة، واحتياط يُستدعى عند الطوارئ.
ويعزز ذلك ما قاله يهوشوع حين وصف أزمة القوة البشرية بأنها "إستراتيجية من الدرجة الأولى"، مضيفا أن الجيش يعمل بفجوة تقارب 7 آلاف مقاتل ورقما مشابها من داعمي القتال والإدارة.
لكن أهمية التقرير لا تكمن في الأرقام وحدها، وإنما في تأكيد ما حذرت منه مراكز بحث إسرائيلية قبل وبعد الحرب، إذْ تؤكد أن إسرائيل لا تستطيع خوض حرب طويلة متعددة الجبهات بجيش بُني لعقود على فكرة الحسم السريع، والنيران الدقيقة، وتدوير الاحتياط عند الحاجة.
ويقدّر المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS) -وفق ما نقله موقع المونيتور في 06 مايو/أيار 2025- حجم الجيش الإسرائيلي بنحو 169 ألفا و500 جندي نظامي و465 ألف احتياط، بينما أظهرت الحرب أن الرقم الورقي لا يكفي حين تُفتح الجبهات معا.
جدل التوسيع
من جهته، يقدّم معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) القراءة الأكثر تحفظا. ففي ورقة نشرها أستاذ الأمن القومي في جامعة تل أبيب والمستشار الأكاديمي للمعهد البروفيسور عزار غات -في 14 مارس 2024- رفض الاستنتاج السريع القائل بأن الجيش صغير جدا، معتبرا أن المشكلة ليست بالضرورة في عدد الفِرَق، بل في سوء الانتشار والمفاجأة وضعف الدفاع المناطقي.
وكتب أن الجيش الإسرائيلي يملك -وفق المنشور العلني زمن الحرب- 6 أو 7 فرق مناورة، وأنه استخدم في شمال غزة وحده 4 فرق، أي أكثر مما استخدم ضد الجيش المصري كله في 1967 و1973.
في المقابل، نشر مركز بيغن-السادات BESA في 30 أبريل 2024 مقالًا كتبه كل من رئيس المركز إيتان شمير وعيدو هيخت -الباحث الكبير فيه والمحاضر في برنامج الدراسات الأمنية بجامعة بار إيلان- بعنوان "لماذا تحتاج إسرائيل إلى جيش كبير إلى جانب تكنولوجيا متقدمة؟".
ويعارض المقال قراءة غات، ويخلص إلى أن التكنولوجيا لا تعوّض غياب "وحدات مناورة جاهزة ومتاحة"، وأن الجيش يحتاج إلى فرقتين مدرعتين/ميكانيكيتين إضافيتين على الأقل، والأفضل ثلاث، مع كتلة حرجة من الوسائل والذخائر والتدريب.
جيشان متوازيان
يوفر مركز دادو -وهو الذراع الفكرية داخل الجيش الإسرائيلي- خلفية أكثر حدة لفهم هذا التحول. ففي 19 أغسطس 2024، كتب الباحث الكبير في مركز دادو وضابط الاحتياط في تشكيل المظليين "حِتسي هآش" (السهام النارية) غال بيرل قراءة في كتاب العميد احتياط غاي حازوت "جيش الهايتك وجيش الفرسان".
ويعرض بيرل الفكرة المركزية القائلة: إن إسرائيل طورت عمليا جيشين؛ جيشا تكنولوجياً لامعا يعتمد على الاستخبارات والنيران والعمليات البعيدة، وجيشا بريا "رماديا" منهَكا بمهام الأمن الجاري، تراجع تدريبه ومكانته. ويقول إن حرب "السيوف الحديدية" أزالت شكّين: الحاجة إلى المناورة البرية، والحاجة إلى الاحتياط.
وتساعد هذه الفكرة في تفكيك أزمة "جيش الحدود المفتوحة"؛ فإسرائيل لا توسّع الجيش لأنها اختارت عقيدة هجومية جديدة فقط، بل لأنها اكتشفت أن الجيش البري
الذي جرى اختصاره وتهميشه هو الأداة الوحيدة القادرة على إمساك الأرض، حماية المستوطنات، تدمير الأنفاق، وفرض مناطق عازلة.
من الدفاع إلى الاحتلال
في غزة تظهر القفزة بأوضح صورها، فوفق معطيات يهوشوع في يديعوت أحرنوت، كانت فرقة غزة -قبل 7 أكتوبر 2023- تتكون من لواءين إقليميين و4 كتائب، أما اليوم فيوجد على الحدود وداخل القطاع مقران للفرقة، وخمسة ألوية، و16 كتيبة، وهذه ليست زيادة إدارية؛ إنها انتقال من دفاع حدودي إلى احتلال ميداني طويل يتطلب هندسة قتالية، حماية محاور، مناطق عازلة، وتدوير قوات أي تبديل القوات وإراحتها.
من جهته، يمنح مقال غال بيرل في مركز دادو تفسيرا عملياتيا لهذه الظاهرة، ففي 30 يونيو 2025، كتب عن إمكانية الحسم التكتيكي ضد "جيوش الإرهاب"، وبيّن أن الجيش أعلن أكثر من مرة "حسم" مناطق أو ألوية في غزة ثم اضطر للعودة إليها، مثل رفح وبيت حانون.
كما أوضح أن فرقة 252 هاجمت بيت حانون من الشرق إلى الغرب، وأُلحقت بها ألوية مدرعة واحتياطية وكوماندوز، قبل أن تعود قوات إسرائيلية للقتال في المكان نفسه لاحقا.
وهذا يعني أن غزة لا تستهلك الفرق بسبب مساحتها، بل بسبب طبيعة الحرب، فالتنظيم المسلح لا ينهار بانهيار مبنى قيادته، والأنفاق تسمح بالعودة، والمناطق المدمرة لا تتحول تلقائيا إلى مناطق آمنة.
اللواء المركب
لم يعد اللواء الإسرائيلي في غزة أو لبنان لواء مشاة تقليديا، عمليا يعمل كـ"فريق قتال لوائي" يضم مشاة، دبابات، هندسة، استخبارات، مسيّرات، نيران، طبابة، صيانة، إمداد. وتقديريا يتراوح حجم اللواء بين 2500 و5000 جندي، بينما قد تضم الفرقة -عند تعزيزها- من 10 آلاف إلى أكثر من 20 ألفًا.
أما اللواء المدرع، مثل 7 أو 188 أو 401، فيدور حول كتائب دبابات ميركافا، ناقلات نمر أو إيتان، هندسة مرافقة واستطلاع وصيانة. ولواء الكوماندوز 89، بوحدات مثل ماغلان وإيغوز ودوفدفان، يستخدم في الاقتحام والاستطلاع الخاص والمداهمات. ولهذا يصبح الرقم "16 كتيبة" في غزة تعبيرا عن منظومة قتال كاملة، لا عن مشاة منتشرين على خط تماس فقط.
عودة المدرعات
عودة القتال البري تظهر أيضا في التسليح، ففي أغسطس 2025، أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية خطة تتجاوز 5 مليارات شيكل (نحو 1.7 مليار دولار) لتسريع إنتاج دبابات ميركافا وناقلات نمر وإيتان.
وفي أبريل 2025، أعلنت صفقة بقيمة 100 مليون شيكل (نحو 34 مليون دولار) لقطع غيار دبابات ميركافا وناقلات نمر، مشيرة إلى أن ميركافا ونمر وإيتان قطعت أكثر من مليون كيلومتر خلال الحرب.
وهنا تتقاطع رؤية وزارة الدفاع مع ما يطرحه مركز بيغن-السادات، إذ لا تكمن المشكلة في امتلاك أحدث المنظومات فحسب، بل في توافرها بأعداد كافية، ووجود مخزونات كافية من الذخائر وقطع الغيار، إلى جانب قدرة إنتاج محلية مستدامة.
ويرى شمير وهيخت أن امتلاك تكنولوجيا "جيدة بما يكفي" بكميات كبيرة قد يكون أكثر فاعلية من امتلاك تكنولوجيا متفوقة بأعداد محدودة، مشيرين إلى أن نقص الذخائر برز بوصفه أحد أخطر الدروس التي كشفتها الحرب.
الشمال المشتعل
في الشمال، تكشف أرقام يهوشوع تحولا مشابها، فعشية الحرب عمل تحت فرقة الجليل لواءان إقليميان وأربع كتائب، أما اليوم فتعمل في الجبهة الشمالية فرقتان، وثمانية ألوية، و15 كتيبة.
وهنا لا يعود الأمر إلى حماية حدودية فقط، وانما إلى جبهة مناورة وحزام أمني فعلي، دخلت فيها فرقة الجليل 91 مع فرق احتياط ومناورة مثل 146 و98 و36 و162 بحسب مراحل القتال.
كما كشف تحقيق لوكالة أسوشيتد برس -في 18 يونيو 2026- أن إسرائيل سيطرت منذ 2023 على نحو ألف كيلومتر مربع في غزة ولبنان وسوريا، وأن المساحة التي تسيطر عليها في لبنان وحده بلغت 608 كيلومترات مربعة، وفق خبراء في مركز كارنيغي للشرق الأوسط.

ويعزز مركز "ألما" -المتخصص في متابعة الجبهة الشمالية وحزب الله– هذه الصورة من زاوية كثافة العمليات العسكرية. ففي تقرير لدانا بولاك صدر في 15 يونيو 2026، أحصى المركز 281 موجة غارات إسرائيلية في لبنان خلال أسبوع
واحد بين 8 و14 يونيو ، و2028 موجة منذ بدء وقف إطلاق النار في 17 أبريل وحتى 14 يونيو بمعدل 35 موجة يوميا.
وتشير هذه الكثافة إلى أن الوجود البري الإسرائيلي في لبنان يجري بالتوازي مع عمليات جوية واستخباراتية متواصلة، وليس في إطار انتشار حدودي تقليدي فحسب.
