عندما نتأمل مشاريع النهضة الحقيقية، نجد أن جوهرها لا يكمن فقط في المنشآت أو الثروات، بل في الإنسان الذي يمنحها الحياة بجهده وكده. فالعامل في المصنع والورشة والشركة والفندق والمطعم، والصياد في البحر، والفلاح في حقله، ليسوا مجرد أدوات للإنتاج، بل هم الركيزة الأساسية للاستقرار والتنمية في أي وطن يطمح إلى النهوض.
وفي السياق اليمني الراهن، تكتسب قضية حماية هذه الفئات أهمية استثنائية، فالحرب المستمرة والأزمات الاقتصادية لم تترك آثارها على المؤسسات والبنية الاقتصادية فقط، بل امتدت إلى حياة ملايين العاملين الذين ينشدون، بعد سنوات طويلة من العطاء، حدًا أدنى من الأمان والكرامة.
إن الدفاع عن حقوق العمال ليس ترفًا فئويًا ولا قضية هامشية، بل هو اختبار حقيقي لمدى وعي المجتمع بقيمة الإنسان. فالمنشآت التي تحترم العامل وتحفظ حقوقه تدرك أن المؤشرات الاقتصادية ليست غاية في ذاتها، بل هي انعكاس لجهد الإنسان الذي يحرك عجلة الاقتصاد ويصنع التنمية.
لقد ارتبطت قضايا العمال والفلاحين في اليمن بالجذور العميقة للحركة الوطنية والاجتماعية، حيث مثلت الطبقات المنتجة ركيزة أساسية لكل مشروع يسعى إلى تحقيق عدالة اجتماعية حقيقية. فالعامل لم يكن يومًا مجرد ترس في آلة الإنتاج، بل كان شريكًا في بناء الدولة وصاحب حق أصيل في الحماية والعيش الكريم.
وفي هذا الإطار، حافظ الحزب الاشتراكي اليمني عبر تاريخه على ارتباطه بقضايا العمال والفلاحين، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن العدالة الاجتماعية تبدأ من الاعتراف بحق الإنسان المنتج في الأمان، وأن حماية حقوقه تمثل إحدى ركائز بناء الدولة المتوازنة.
غير أن ترجمة هذه المبادئ إلى واقع لا تكفيها الشعارات، بل تحتاج إلى وعي مجتمعي وسياسي قادر على تحويل الأفكار إلى ممارسات. وهنا يتجلى دور الكادر الحزبي المثقف الذي لا ينعزل عن هموم الناس، بل يكون حاضرًا في مواقع العمل والإنتاج، يستمع إلى المشكلات، ويبحث عن حلول عملية بعيدًا عن الخطابات العامة.
وهذا هو جوهر مفهوم “المثقف العضوي” كما صاغه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، ذلك المثقف الذي لا يكتفي بإنتاج الأفكار، بل يرتبط بقضايا مجتمعه، ويجعل من المعرفة وسيلة لفهم الواقع والمساهمة في تغييره. فالكادر الحقيقي هو من يحول أصوات العمال إلى برامج ومواقف وسياسات تخدم الإنسان.
وتأتي أنظمة التأمينات الاجتماعية في مقدمة هذه الحقوق، فهي ليست مجرد إجراءات بيروقراطية، بل ضمانة اجتماعية تعكس تقدير المجتمع لمن أفنى سنوات عمره في العمل والإنتاج. إنها عقد أمان بين العامل والدولة وصاحب العمل، يضمن للإنسان حقه عند التقاعد أو العجز، ويوفر الحماية لأسرته في حال الوفاة.
لكن الواقع اليمني يفرض تحديات كبيرة، فهناك عمال يعانون من عدم التسجيل في أنظمة التأمينات الاجتماعية، وآخرون يحرمون من حقوقهم بسبب تهرب بعض أصحاب العمل من دفع الاشتراكات المستحقة، مما يهدد مستقبلهم ويحرمهم من الاطمئنان على حياتهم وأسرهم.
إن تجاوز هذه التحديات يتطلب تضافر جهود مؤسسات الدولة والنقابات والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني والقوى السياسية، لأن الحماية الاجتماعية مشروع وطني متكامل لا يمكن اختزاله في مسؤولية جهة واحدة.
كما أن الأحزاب والقوى الوطنية مطالبة بأن تجعل قضايا الناس اليومية في مقدمة اهتماماتها، لأن قوة أي مشروع سياسي لا تقاس بحجم هياكله التنظيمية فقط، بل بقدرته على الاقتراب من المواطنين والدفاع عن حقوقهم.
إن العامل اليمني ليس مجرد رقم في جدول اقتصادي، ولا عنصرًا ثانويًا في المشهد الوطني، بل هو عماد الوطن ونبض تنميته. ومن يحصن حقه في العيش الكريم والأمان الاجتماعي، فإنه يضع أساسًا أكثر صلابة لمستقبل اليمن.
فالنهضة لا تبنى من فراغ، بل تصنع بسواعد الذين يمنحون الوطن جهدهم ووقتهم وعرقهم، ليبقى حاضرًا في وجدان الأجيال القادمة.
