في كرة القدم، يُسَلّم أمر الفريق الوطني لمدرب أجنبي، لا تربطه روابط عميقة بهذا البلد، سوى أنه مطلوب منه أن يعيد بناء هذا الفريق مقابل أجر مجزٍ. يقوم بعمله بجهد يفتقر إلى الروح التي ترى أن انتصار أو خسارة الفريق جزء من الشخصية الوطنية للبلد، بل وتمتد إلى أعماق هذه الشخصية وتتفاعل مع ثقافتها ومنظومة القيم التي تعكس ثقتها بنفسها. كل ما يعنيه هو أن نجاح الفريق يرفع من قيمته السوقية في مجال التدريب. والفريق بالنسبة له مشروع تعاقدي-تجاري لا بد أن يختار لتشكيله من يعتقد أن يحقق له هذا النجاح بغض النظر عما إذا كان هذا اللاعب يمثل بعدًا قيميًا في الشخصية الوطنية العامة للمجتمع من عدمه.
هو لا يهتم كثيرًا بمثل هذا البعد، ولا يلتفت سوى إلى اللاعب “المطيع” الذي يستطيع أن يشكله في الميدان وفقًا لخطته المرسومة، ولا يعنيه من أمره سوى مهارة تنفيذ الخطة (قارن مع المتعهد الخارجي نموذج المشروع الإيراني وكيف تعامل متعهد هذا المشروع مع أذرعه عندما أصبح في وضع لم يعد أمامه من خيار سوى تركها لمصيرها بعد أن ضحى بها على مذبح مشروعه المغامر).
النقاش الذي يدور حول إلحاق اللاعب البرازيلي الشهير “نايمار” بالفريق الوطني البرازيلي لا تكمن دلالته في الخلاف الفني حول أهليته من عدمه، وإنما في ما يمثله من شغف، هو وغيره من نجوم البرازيل، في الذاكرة الجمعية البرازيلية، وهو ما يعكس هاتين العقليتين المحلية والاجنبية، وهي تجسيد كما قلنا:
١- للعقلية التي تقف وراءها ثقافة تمتد جذورها إلى أعماق المجتمع، مع ما يشكله ذلك من ترابط وثيق بين مكونات المجتمع السياسية والثقافية والتاريخية، أي مكونات الوطن، باعتبار كرة القدم جزءا منه بعد أن ارتبط نشوء دولة البرازيل الحديثة من أعماق غابات الأمازون واغتسلت في نهرها العظيم بنجاح فريقها الوطني لكرة القدم منذ نشوئه وتخلق منتسبيه في حواري سانت باولو وغيرها من مدن الصفيح الفقيرة، ليشكلا ثنائية تاريخية لا انفصام بينهما جعلت من نجوم كرة القدم جزءًا من ضمير الأمة وقيم المجتمع.
٢- وعقلية عابرة لا تدرك هذه الحقيقة، وغير قادرة على استيعابها.. ترى كرة القدم والفريق الذي يمثلها، كما قلنا، مشروعا تجاريا مؤقتا، لا يمت بصلة للحقائق التاريخية التي لا يمكن إفراغها من قوتها في التأثير على المكون الثقافي والحضاري العام للأمة.
